فهرس الكتاب

الصفحة 22418 من 27345

وخذ مثلًا يوضِّح هذه الحقيقة ؛ فعن سالم عن أبيه، قال: بعث النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ خالد بن الوليد إلى بني جذيمة ، فدعاهم إلى الإسلام؛ فلم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا، فجعلوا يقولون: صبأنا ، وجعل خالد (يعمل فيهم) قتلًا وأسرًا. قال: فدفع إلى كل رجل أسيره، حتى إذا أصبح يومنا، أمر خالد بن الوليد أن يقتل كل رجل منا أسيره. قال ابن عمر: فقلت: والله لا أقتل أسيري ولا يقتل أحد ، وقتل بشر من أصحابي أسيره. قال: فقدمنا على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، فذكر له صنع خالد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ـ ورفع يديه ـ:"اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد"مرتين .وبالتَّأمل في هذا الحديث فإنّا نجد أنَّ رسول الله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ تبرأ من فعل خالد ، ولكن بقي خالد بن الوليد سيف من سيوف الله سلَّه الله على المشركين ، ولم يُغْمِدَ رسول الله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ هذا السيف على أعداء الدين أو يتنقصه .

قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة: (ولهذا كان النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ يستعمل خالد بن الوليد على الحرب ، منذ أسلم ، وقال:( إنَّ خالدًا سيف سلَّه الله على المشركين) مع أنَّه أحيانًا قد كان يعمل ما ينكره النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ ، حتَّى إنَّه ـ مرَّة ـ قام ثمَّ رفع يديه إلى السماء وقال: ( اللهم إنِّي أبرأ إليك ممَّا فعل خالد ) لمَّا أرسله إلى بني جذيمة فقتلهم ، وأخذ أموالهم بنوع شبهة ، ولم يكن يجوز ذلك ، وأنكره عليه بعض من معه من الصحابة ، حتَّى وَدَاْهُم النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ ، وضمن أموالهم ؛ ومع هذا فما زال يقدِّمه في إمارة الحرب ؛ لأنَّه كان أصلح في هذا الباب من غيره ، وفعل ما فعل بنوع تأويل)

وكلام شيخ الإسلام دقيق ، فكما أنَّ العلماء يخطئون وكذا التجَّار والأطبَّاء والمهندسون فإنَّ المجاهدين كغيرهم في هذا الأمر ، إلاَّ أنَّ الفارق في طريقة تقويم الخطأ ما بين ناصح أو حاقد ، فالناصح يبيِّن الحق ، ويذكر سبب الخطأ ، ثمَّ يذكر الوجه الصحيح لعلاج ذلك ، وأمَّا الحاقد فإنَّه لا يفتأ يلمز ويهمز في المجاهدين ، وشتَّان شتَّان ما بين الأمرين !

ولننظر لطريقة القرآن الكريم في تقويم أخطاء المجاهدين ، فحين لم يلتزم الرماة في غزوة أحد بأمر رسول الله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ ونزلوا لأرض المعركة مع أنَّه ـ عليه السلام ـ أمرهم بأن يلزموا مكانهم ، ولا ينزلوا لأرض المعركة إلاَّ حين انتهائها بينهم وبين كفَّار قريش ، إلاَّ أنَّهم استعجلوا الأمر ونزلوا لأرض المعركة قبل انتهائها ، وبعد هزيمتهم تساءلوا:ما السبب في ذلك ؟

كما قال الله ـ تعالى ـ: ( أولمَّا أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنَّى هذا قل هو من عند أنفسكم ) ففي هذه الآية بيَّن ـ سبحانه وتعالى ـ خطأ أولئك المجاهدين ، إلاَّ أنَّه ـ عزَّ وجل ـ لم يقدح في عدالتهم ، أو يشكِّك في نيَّاتهم.

وذلك لأنَّ هؤلاء لهم دور كبير في نصرة الإسلام ، والمنهج الإسلامي في عمليَّة النقد متوازن وموضوعي في الوقت ذاته ، فالعتاب وتبيين الخطأ لكلِّ من أخطأ فريضة إسلاميَّة ، ولكنَّ ذاك الخلل ينبغي أن يغتفر في الحسنات الكثيرة التي أصاب بها المخطئ ، وكثيرًا ما كان يركِّز ابن القيِّم ـ رحمه الله ـ على ذلك ويستشهد بحديث رسول الله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ: (إذا كان الماء قلَّتين لم يحمل الخبث) .وكذلك فإنَّه ـ عليه الصلاة والسلام ـ يقول: (أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم) وبهذا يكون الاتزان في منهج التعامل مع أخطاء ذوي الأقدار والمروءات.

وعلى ضوء هذه الآيات والأحاديث ينبغي أن ننتهج بنهجها ، وحري بنا أن نسير في مضمارها ، بدون تلكؤ ولا ارتياب ؛ ذلك أنَّ الآيات والأحاديث كلام ليس بالأغاليط بل هو وحي يوحى ، فأين هؤلاء القادحين من هذا؟

* خطورة التشبُّه بالمنافقين في نقد المجاهدين:

إنَّ المرء المسلم ينبغي عليه أن يكون حذرًا لدينه في أن يكون مشابهًا للمنافقين في بعض أحوالهم ، ومن قرأ سورة الأحزاب بتأمُّل سيجد فيها وصفًا لحال أولئك المنافقين الذين ما فتئوا يقدحون برسول الله والعصابة المؤمنة المجاهدة من الجيل الأول ـ رضوان الله عليهم ـ ومن ذلك قوله ـ تعالى ـ: ( قد يعلم الله المعوِّقين منكم والقائلين لإخوانهم هلمَّ إلينا ولا يأتون البأس إلاَّ قليلًا * أشحَّة عليكم فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد أشحَّة على الخير) .

قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة:(وهذا السلق بالألسنة الحادَّة ، يكون بوجوه:

تارة يقول المنافقون للمؤمنين: هذا الذي جرى علينا بشؤمكم ؛ فإنَّكم أنتم الذين دعوتم الناس إلى هذا الدين ، وقاتلتم عليه ، وخالفتموهم ؛ فإنَّ هذه مقالة المنافقين للمؤمنين من الصحابة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت