وتارة يقولون: أنتم الذين أشرتم علينا بالمقام هنا ، والثبات بهذا الثغر إلى هذا الوقت ، وإلاَّ فلو كنَّا سافرنا قبل هذا لما أصابنا هذا .
وتارة يقولون ـ أنتم مع قلَّتكم وضعفكم ـ تريدون أن تكسروا عدوَّكم ، وقد غرَّكم دينكم ، كما قال تعالى: ( إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غرَّ هؤلاء دينهم ومن يتوكَّل على الله فإنَّ الله عزيز حكيم) .
وتارة يقولون: أنتم مجانين ، لا عقل لكم ، تريدون أن تهلكوا أنفسكم والناس معكم .
وتارة يقولون أنواعًا من الكلام المؤذي الشديد . وهم مع ذلك أشحَّة على الخير ، أي حرَّاص على الغنيمة والمال الذي قد حصل لكم ) ا.هـ
والعجب من هؤلاء المغتابين الهمَّازين للمجاهدين أنَّهم حين يتكلَّمون عن المخالفين لشرع الله ، أو الكفَّار عمومًا حتَّى المحاربين منهم فإنَّك تجدهم يتوقَّون أشدَّ التوقي للكلمات التي لا تثيرهم عليهم ولا تستفزُّهم ؛ ويطالبون الناس بالعدل معهم ، وإنصافهم ؛ خشية إثارة مشاعرهم بل يجادلون عنهم ، مع أنَّ الله ـ سبحانه ـ يقول: ( ولا تكن للخائنين خصيمًا * واستغفر الله إنَّ الله كان غفورًا رحيمًا * ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إنَّ الله لا يحبُّ من كان خوَّانًا أثيمًا) ويقول ـ تعالى ـ محذِّرًا من مغبَّة فعل: ( هاأنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة أمَّن يكون عليهم وكيلًا)
وفي مقابل ذلك تجد الكلمات التي يقتبسوها من قاموس المجرمين ليطلقوها ويلصقوها بالمجاهدين ، وفي حال سماعهم إشاعة عن مجاهد أو اتهامًا له سارعوا بإذاعة ذلك بكل وسيلة ممكنة ، وكأنَّ لحومهم مسموح لها التعرُّض بالقيل والقال ، فهل هذا عدل وإنصاف؟!
(إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هيِّنًا وهو عند الله عظيم) .
ويعجبني في هذا الصدد كلام للمفكِّر الإسلامي منير شفيق حيث كتب مقالًا طيِّبًا دفاعًا وذبًَّا عن أعراض المجاهدين قائلًا:(وتسمع بعضهم يتَّهمون المجاهدين في سبيل الله ؛ بأنَّهم يتاجرون باسم الله أو يتاجرون بالإسلام ، ويقصدون القول إنَّ الاستناد إلى الإسلام في مواجهة أمور الدنيا بما فيها أمور السياسة والاقتصاد متاجرة في الدين ، وهذه تهمة لا يوجِّهونها للذين يرفعون شعارات الوطنيَّة والقوميَّة والاشتراكيَّة ، فهؤلاء لا يسمون متاجرين بالوطنية والقومية والاشتراكية ، على اعتبار أنَّهم منزهون عن الغرض الخاص أو الحزبي حين يرفعون تلك الشعارات وكذلك الأمر بالنسبة إلى كل تلك العبارات التي يتملَّقون بها الناس فهذه كلُّها ليست متاجرة بالمبادئ والدين ، أمَّا إذا اغتسل مؤمن وتوضًَّا وصلَّى ، ولبس كفنه ليجاهد في سبيل الله لا يطلب من حطام الدنيا شيئًا فهو متاجر بالدين .
أمَّا بعض الحكَّام الذين يحرصون على أن تؤخذ لهم الصور ساجدين ، أو يظهرون في التلفزة وهم يؤدُّون الصلاة وأكثرهم لا يقومون لها إلاَّ وقت التقاط الصور ، فهؤلاء لا يتاجرون بالدين . وبالمناسبة إنَّ الجهاد في سبيل الله تجارة حقًَّا ولكنَّها تجارة تباع فيها الدنيا لتشترى الآخرة ، وهذه تختلف عن المتاجرة بالدين للكسب في الدنيا )
نعم ! إنَّي لا أنكر أنَّه يتوجَّبُ علينا أن نكون متحرِّين لنقاوة الجهاد ، وناصحين لإخواننا المجاهدين في كل صقع محتل من أصقاع المسلمين ، بألاَّ يصيب جهادهم خلل ولا خطل ولا دخل، ولكن لا يكون ذلك إلاَّ بالأساليب الطيِّبة النافعة ، والتي لا تستغلُّها الوسائل الإعلاميَّة للقدح فيهم ، وتشويه صورتهم .
ونحن نعلم قصَّة قتل ابن الحضرمي في الشهر الحرام ، واستغلال الكفَّار للإساءة للمؤمنين بذلك ، ولكنَّ الله تعالى علَّم المؤمنين أن يقرِّوا بما وقعوا فيه من خلل ، ويحذروا ذلك في المستقبل ، كما قال تعالى: (يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصدٌّ عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل) ولكنَّ ذلك الرد عليهم من قِبَلِه ـ سبحانه ـ متَّسم بالأسلوب القرآني الراقي في العتاب وتبيين الصواب ، بلا شتيمة أو إسفاف .
وقبل الختام:
فقد أجمع علماء الإسلام على حرمة الغيبة والسخرية بالمسلمين ، وعدُّوها من كبائر الذنوب ، و على هذا فإنَّه يجدر بنا أن يكون لدينا دور تجاه الذَّب عن أعراض المجاهدين قدر الإمكان ، فإنَّهم قوم خرجوا بمالهم وأنفسهم لا يبتغون إلاَّ ما عند الله عزَّ وجلَّ من الأجر العظيم ، والثواب الجزيل، بل هم حرَّاس الدين وحماته في هذا الزمان وفي كل زمان ، فكيف يليق بنا أن نقدح فيهم وهم الذين كان لهم الدور الكبير في صدِّ عدوان المعتدين ؟!
لهذا فإنَّ اللاَّمزين للمجاهدين والقادحين فيهم ، لا يقال لهم إلاَّ ما قاله الشاعر العربي الأوَّل:
أقلُّوا عليهم لا أبا لأبيكم *** من اللوم أو سدُّوا المكان الذي سدُّوا