عبدالملك القاسم
دار القاسم
الحمد لله ملاذ الخائفين ومنجي المتقين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وبعد:
فقد ذكر المؤرخون في العصور الأولى من انبلاج نور الإسلام أن أهل المغرب الأقصى كانوا يسيرون إلى البيت الحرام بعد عيد الأضحى بأيام ليدركوا الحج القادم.. ويستغرق سفرهم هذا إلى مكة وإقامتهم وحجهم سنة كاملة، فيها من مشقة السفر، وخوف الطريق، وانقطاع المؤنة ما الله به عليم.
ومن نعم الله علينا تيسر السبل، واستتاب الأمن ورغد العيش، فأسرع الموقفون إلى بيت الله الحرام، معتمرين وطائفين، وساجدين وراكعين، مصلين ومنفقين.. رغبة فيما عند الله عز وجل.
والعمرة في رمضان لها مزية خاصة وأجر عظيم، فعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي { لما رجع من حجة الوداع قال لامرأة من الأنصار أسمها أم سنان:"ما منعك أن تحجي معنا"، قالت: أبو فلان - زوجها - له ناضحان، حج على أحدهما، ولآخر نسقي به. فقال لها النبي:"فإذا جاء رمضان فاعتمري، فإن عمرة فيه تعدل حجة". أو قال:"حجة معي". } [متفق عليه] .
وأجر العمرة عامة فيه جزيل الأجر، فقد قال عليه الصلاة والسلام: { العمرة إلى العمرة كفارة لما ينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة } [متفق عليه] .
وقد أعظم الله الأجر، وأجزل المثوبة لمن صلى في المسجد الحرام، فقد قال: { صلاة في مسجدي أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف فيما سواه } [رواه أحمد] .
والمسلم يحرص على أن ينال ألعى الدرجات وجزيل الثواب ساعيًا إلى مرضاة ربه وطلبًا لغفرانه، خاصة في هذا الشهر المبارك والمكان المبارك.
ورغبة في تمام الأجر وخوفًا من الزلل والوقوع في الخطأ، هذه الإشارات وبشارات كتبت في وقفات متتالية، والأخ المعتمر يعلم خيرًا مني في ذلك:
الوقفة الأولى: انتشر بين النساء السفر إلى العمرة بدون محرم، والنبي يقول: {"لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم، ولا يدخل عليها رجل إلا ومعها محرم"، فقال رجل: يا رسول الله، إني أريد أن أخرج في جيش كذا وكذا، وامرأتي تريد الحج ! فقال:"أخرج معها"} [رواه البخاري] .
وهذا الرجل أمره النبي أن يترك الجيش الذي يريد أن يغزو معه، وأن يعود لينطلق مع زوجته التي خرجت في عبادة، ولم يسأله النبي أهي كبيرة ام صغيرة؟أمع نساء أو رجال؟! بل أمره باللحاق بها. والمؤمنة لا تذهب في سفر، لا لحج ولا لعمرة ولا غيرة إلا مع محرم لها ولا تتعذر بطفل لم يبلغ الحلم.
الوقفة الثانية: بعض أولياء يترك أسرته في بلدته ويضيع واجب رعايتهم والقيام عليهم، ويقدم الذهاب إلى مكة على ذلك، وقد اخطأ في هذا الاجتهاد. وحفظ الأهل الأبناء أولى وأجدر وأحق وأفضل، وبعض الشباب يضيع والديه الكبيرين وهما في حاجة إلى خدمته ومعونته، والأجر الأعظم هو في برهم ورعايتهم وبالإمكان الجمع بين عمرة لا تتجاوز مدتها يومًا، ثم العودة إليهما قال تعالى: وقضى ربك إلا تعبدوا إلآ إياه وبالوالدين أحسنًا .
الوقفة الثالثة: صلاة المرأة في بيتها خير لها من الصلاة مع جماعة المسلمين في المسجد، فعن أم حميد امرأة أي حمدي الساعدي رضى الله عنها أنها جاءت إلى النبي فقالت: { يا رسول الله، أني أحب الصلاة معك، قال:"قد علمت أنك تحبين الصلاة معي، وصلاتك في بيتك خير من صلاتك في حجرتك، وصلاتك في ممر دارك خير من صلاتك في مسجد قومك، وصلاتك في مسجد قومك خير من صلاتك في مسجدي"} [رواه أحمد] .
وتأملي أختي المسلمة كيف تدرج الخير وتباينت الدرجات، قم انظري في أعلاها وأفضلها وهي صلاة المرأة في بيتها، مقارنة بمسجد رسول الله .
وما ذاك إلا صيانة للمرأة والرجل وسدا للذرائع. قالت عائشة رضي الله عنها:"لو علم النبي ما أحدثت النساء بعده لمنعهن من الخروج"! هذا في زمن أم المؤمنين وفي صدر الإسلام الأول ولا تزال في الأمة وجوه الصحابة، فكيف لو رأت أم المؤمنين نساء هذا الأيام!
الوقفة الرابعة: فرغ نفسك أخي المسلم من لقاء الناس وكثرة الحديث ! وتفرغ لأمر آخرتك، والبعض جعل البقاء في مكة وفي الحرم خاصة مكانًا للحديث وطول الكلام الذي لا فائدة من ورائه ولم يراع حرمة المكان ولا مشاعر المصلين، فتراه رافعاُ صوته بالحديث مضيعًا وقته ومؤذيًا غيره. واللسان أمره عظيم، وخطره جسيم قال تعالى: ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد . قال: {... وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم } [رواه الترمذي] ، وأحذر غيبة الأئمة والاستهزاء بهم، ولا تجعل لسانك يفري في أعراض المسلمين وغيبتهم و ازدرائهم، وتجنب فحش الكلام وبذاءته فأنت في شهر عظيم ومكان عظيم. ولا بد من الأدب والتأدب ومن ذلك إغلاق الهواتف النقالة وغيرها. وعدم الإتيان إلى الحرم بملابس النوم والله عز وجل يقول: يبني ءادم خذوا زينتكم عند كل مسجد .