فهرس الكتاب

الصفحة 25112 من 27345

د - جعفر شيخ إسماعيل

1.صدام الحضارات: هل هو أمر لازم؟

إننا نعيش في عصر ما تزال وسائل المواصلات والاتصالات فيه تتزايد سرعتها وكفائتها يومًا بعد يوم، فيزداد بازديادها انتقال الناس والأشياء والأفكار سهولة وسرعة، فيزداد بذلك تشابك مصالح الناس، ويكثر اعتماد بعضهم على بعض، ويقوى تأثير بعضهم في بعض. لم يعد من الممكن لأية أمة تريد تحقيق مصالحها أن تعيش منعزلة غنية بنفسها عن غيرها، مهما كانت قوتها الاقتصادية وإمكاناتها العلمية والتقنية والبشرية. بل أصبح من الضروري لكل أمة أن تكون ذات نظرة عالمية، وأن تهتم لذلك بسياستها الخارجية اهتمامها بالسياسة الداخلية.

لكن الناس في عصرنا ما زالوا تتقاسمهم -حتى داخل البلد الواحد- الأديان والثقافات، وربما يقال وتتقاسمهم على المستوى العالمي مختلف الحضارات. هل من الممكن لسكان هذه القرية الأرضية المنقسمين هذا الانقسام أن يعيشوا مع ذلك متسالمين آمنين متعاونين على تحقيق مصالحهم؟ أم أن الصراع بين ثقافاتهم على المستوى المحلي وبين حضاراتهم على المستوى العالمي ضربة لازب لا مفر منها؟ لا أحد يستطيع أن يجزم، فعلم المستقبل عند الله تعالى، وتصرفات البشر يصعب التنبؤ الجازم بها لما يعتريها من عدم العقلانية في كثير من الأحيان. لكن الأمر من الخطورة بمكان يستدعي النظر والتأمل. فلا بد للعلماء والمفكرين ورجال الدولة المسلمين من أن يولوه من العناية ما يستحق نظرًا وعملًا وتخطيطًا.

المفكرون في الدول الكبرى من أكثر الناس اهتمامًا بهذه القضية لأنهم يقدرون من خطرها ما لا يقدر غيرهم. ويمكن تلخيص توقعاتهم في أربعة آراء:

فمنهم من يرى أن الصدام بين الحضارت آت لا محالة، فهو ينصح قومه بإعداد العدة للدفاع عن الحضارة الغربية. [1]

ومنهم من يرى أن الصراع الثقافي قد بدأ في داخل الحضارة الغربية نفسها فلم تعد الحضارة التي كانت قبل. [2]

ومنهم من يرى أن الحضارة الغربية في شكلها الأمريكي المتفوق، والمتمثل في الليرالية السياسية، واقتصاد السوق هي مطمح أنظار الأمم، والغاية التي يتسابقون إليها، وحين يصلونها فتلك نهاية التاريخ في هذا المضمار. [3]

ومنهم من يرى أن التعايش السلمي بين الثقافات والحضارات ممكن إذا اتخذ الناس سبيل الديمقراطية العلمانية التعددية.

2.طبيعة العصبيات الثقافية:

ما الموقف الذي يجب على المسلمين اتخاذه إزاء الثقافات والحضارات المخالفة للإسلام في عصرنا هذا وفي ظروفنا هذه؟ إن الناس يهتدون في اتخاذهم لمواقفهم بما عندهم من علم وبما وهبهم الله من عقل. لكن المسلمين يهتدون إلى جانب ذلك بما حباهم الله تعالى به من هداية القرآن الكريم: (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم) [الإسراء:9] وهداية القرآن ليست هداية دينية بالمعنى المحدود الشائع في عصرنا لهذه الكلمة. إنها هداية تشمل كل ما يحتاج إليه الناس أفرادًا وجماعات في أمورهم الروحية والجسدية، في حياتهم الدنيوية والأخروية. من أنواع هداية القرآن المتصلة بموضوعنا هذا أن يعطينا حقائق عامة عن المجتمعات البشرية من النوع الذي يحاول علماء الاجتماع أن يصلوا إليه بدراساتهم التجريبية. يهتدي المسلمون بهذه الحقائق في نظرتهم للكون البشري، وفي تفسيرهم لما يحدث فيه، وفي تعاملهم معه. لا أقول إنهم يستغنون بهذه التوجيهات القرآنية عن دراسة الواقع واستخلاص الحقائق منه، لكن الهداية القرآنية تعطيهم في هذا الصدد حقائق كلية مهمة قد لا يستطيعون الوصول إليها بجهدهم البشري. من هذه الحقائق الاجتماعية:

أولًا: أن كل جماعة من البشر ترى أن ما هي عليه من المعتقد والقيم والعمل أفضل مما عليه غيرها، مهما كان ما هي عليه باطلًا بمقياس الشرع الحق:

(كذلك زينا لكل أمة عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم فينبؤهم بما كانوا يعملون) [الأنعام: 108]

ثانيًا: أنه كلما كان غيرهم أقرب إليهم كان أحب إليهم:

قال تعالى: (وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذًا لاتخذوك خليلًا) [الإسراء:73]

ثالثًا: أنهم لا يرضون رضىً كاملًا إلا عن من كان على شاكلتهم:

قال تعالى: (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم) [البقرة: 120]

رابعًا: أن حرصهم على أن يكون غيرهم معهم يدفعهم للضغط على المخالف -ولا سيما مخالفًا يُساكنهم- بأنواع من الضغوط تصل أحيانًا حد الضرب أو السجن أو النفي أو حتى القتل:

قال تعالى: (وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك) [الأنفال: 30]

(قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنُخرجنَّك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودُنَّ في ملتنا. قال أو لو كنا كارهين) [الأعراف: 88]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت