خامسًا: أن من أهل الأديان والحضارات من يَعدُ دينه أو حضارته من خصائص قوميته او عرقه فلا يريد للآخرين أن يشركوه فيها، بل لا يراهم مساوين له حتى من الناحية الإنسانية فلذلك لا يرى نفسه مُلزمًا بأن يلتزم في تعامله معهم بالقيم الخُلقية:
قال تعالى: (ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك، ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائمًا، ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيلٌ، ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون) [آل عمران:75]
سادسًا: لكن أولئك وهؤلاء جميعًا يريدون لمعتقداتهم أو لحضارتهم أن تكون هي المسيطرة وأن يكون أصحاب الحضارات الأخرى خدامًا لمصالحهم. هذه الرغبة في السيادة والسيطرة تدفعهم لأن يعدوا العدة لضمان بقاء حضارتهم وللدفاع عنها في حال وجود خطر يهددها، وللعمل لإخضاع الآخرين لها. وهم يستعملون في ذلك كل إمكاناتهم التي يرونها مساعدة لتحقيق هذه الأهداف بما في ذلك اللجوء إلى الحرب.
أوضح مثال في عصرنا على هذه الرغبة الجامحة في السيطرة، وفي الحرص على ضمان دوامها، هو حال الغرب ممثلًا في دولته الكبرى، الولايات المتحدة الأمريكية. أنهم لا يخفون شيئًا من هذا الذي ذكرناه، بل يعلنون عنه في صراحة، ويفصلون الأمر فيه تفصيلًا تظنه حين تقرؤه كلامًا لخصومهم أو لأعدائهم. وهذا نفسه إنما هو من فرط ثقتهم بأنفسهم. فالأستاذ هنتجتون مثلًا يقرر في مقاله الذي طبقت شهرته الآفاق أن الغرب هو المسيطر الآن على المؤسسات العالمية السياسية والاقتصادية، وأن
القرارات التي تتخذها الأمم المتحدة أو مجلس الأمن أو صندوق النقد الدولي والتي تعبر عن مصالح الغرب تبرز للعالم على أنها المعبرة عن مصالح المجتمع الدولي. بل إن عبارة المجتمع الدولي (التي حلت محل عبارة العالم الحر) صارت هي نفسها الاسم الملطف الذي يمنح الشرعية لكل الأعمال المعبرة عن مصالح الولايات المتحدة وسائر القوى الغربية. فعن طريق مؤسسة النقد وسائر المؤسسات الاقتصادية الدولية يسعى الغرب لخدمة مصالحه ويفرض على الأمم الأخرى السياسات الاقتصادية التي يراها مناسبة. [4]
ويقول:
إن الهدف من الحد من انشار الأسلحة إبان الحرب الباردة كان تحقيق توازن عسكري مستقر بين الولايات المتحدة وحلفائها والاتحاد السوفيتي وحلفائه. أما في عالم ما بعد الحرب الباردة فقد صار الهدف الأول من الحد من انتشار الأسلحة هو منع الدول غير الغربية من تطوير قدرات عسكرية قادرة على تهديد المصالح الغربية. يحاول الغرب أن يحقق هذا عن طريق الاتفاقات الدولية، والضغوط الاقتصادية، والحد من نقل تقنية السلاح والعتاد. [5]
3.الموقف الإسلامي من حيث المبدأ
تلك هي مواقف الأديان والحضارات من بعضها من بعض بصفة عامة. فما موقف الإسلام منها؟ مهمتي هنا ليست منهمة عالم السياسة الذي يصف المواقف الفعلية أو المتوقعة للأمم والشعوب والدول المنتمية للإسلام. إن المطلوب مني إنما هو بيان موقف الإسلام من حيث هو دين، أي الموقف الذي تهدي إليه نصوص الكتاب والسنة. إن سلوك المنتسبين إلى الإسلام متأثر بهذه النصوص على درجات متفاوتة، لكنه ليس بالضرورة متوافقًا معها دائمًا. فما الموقف الذي تهدي إليه هذه النصوص الكريمة؟
أولًا: من المعتقدات:
أول ما يلاحظه الناظر في هذه النصوص أنها تميز بين الحكم على المعتقدات ومعاملة المعتقِدِين. إن معتقدات الناس -دينية كانت أو غير دينية- متعددة مختلفة، لكن الذي يعطيه الإسلام منها أهمية، ويقدمه على ما سواه، ويقسم الناس بمعياره تقسيمًا أساسًا، هو المعتقدات المتعلقة بالخالق سبحانه: موجود هو أو غير موجود؟ يُعبد وحده أم يُشرك في عبادته معه غيره؟ أحد هو في ذاته وصفاته أم يشركه في بعض ذلك بعض مخلوقاته؟ أرسل رسلًا وأنزل كتبًا يجب أن تُتبع أم ترك الناس سدى؟
القول الأول من هذا كله هو الحق، والقول الثاني هو الباطل، ولا واسطة بينهما إذ (ماذا بعد الحق إلا الضلال) . وكل ما كان لازمًا عن المعتقد الحق فهو حق أيضًا، سواء كان صاحبه مؤمنًا بالحق الأساس أم غير مؤمن، وكل ما كان لازمًا عن المعتقد الباطل فهو باطل سواء كان صاحبه معتقدًا للباطل الأساس أو غير معتقد. والمسلمون مدعوون لقبول الحق حتى لو قال به غير مسلم، ولإنكار الباطل حتى لو قال به عالم مسلم. ذلكم هو حكم الإسلام على المعتقدات.
ثانيًا: من المعتقِدين:
أ . من المسلمين.
أما المعتقدون فهم فريقان: أصحاب المعتقد الحق وأصحاب المعتقدات الباطلة. أصحاب المعتقد الحق هم المسلمون وهم نوعان:
1.مسلمون بالمعنى العام؛ وهم كل من اتبع نبيًا بعثه الله تعالى ولم يكذب بأحد من الأنبياء الذين سمع بهم.
2.ومسلمون بالمعنى الخاص؛ وهم أتباع النبي محمد صلى الله عليه وسلم من كل الجنسيات وكل الأقطار وفي كل الأمصار، منذ مبعثه وإلى قيام الساعة.