على هادي
ها قد عدتُ إليكم أحبابي.. حاملًا معي نفحات الرحمة والتوبة والغفران.. بعد أن رحلت عنكم قبل عامٍ مضى، ورفعتُ سجلاتكم إلى الباري جل في علاه، والآن أعود لأفتح سجلًا آخر لكم ليشهد على ما ستقدمونه من عطاء ودعاء وطاعات، وسجلًا آخر أدوّن فيه من تقاعس منكم عن الطاعة أو هجرني بلا صيام وقيام، وعذرًا على ذلك.. ولكنه واجبي أن أشهد عليكم.
لا أرى وجوهًا كانت حيةً في العام الماضي، شهدتُ بعضًا منهم يسأل الله تعالى الشهادة عندما كان يقوم لياليَ العشر الأواخر وها قد نالها، وشهدتُ أيضًا آخرين كانوا يقولون: سنتوب في رمضان التالي.. ولكن للأسف لم يدركوني.
ها قد عدت رافعًا شعارًا جديدًا أن: (اكسبوني.. قبل أن تفقدوني) ، فالفتن قد ادلهمت عليكم جميعًا (خوفٌ وجوعٌ ونقص في الأموال والأنفس والثمرات) ، ما نجا منها إلا المُصلح الذي بذل نفسه ووقته وماله لإصلاح الفساد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكرات، فأتيت إليكم منحةً من الرحمن الرحيم ليتوب المسيء ممّا جنته يداه، ويستكثر المُحسن على ما قدّم لنفسه من أسباب تمنحه الدخول في زمرة المرحومين في الدنيا والآخرة.
لست إلا 30 يومًا وليلة، اكسبْ فيها ما استطعت من الخير، قُيِّدَت الشياطين وما بقت إلا نفسك، فمُرها أن تَزَكّى وتمضي لنيل رضا الرحمن عزّ وجل .. لدي ليلة مَن أحسن فيها بالطاعات فكأنما صام وقام 30000 يوم، إياك أن تكسل عنها.
أعنّي على أن تُدخل أحبابك من الأقارب والأصدقاء- الذين غفلوا عما لديَّ من نفحات ورحمات- في خيمتي وتحت كنفي، فأسجلها لك وأرفعها للملك القدوس فيغفر لك وله، وإذا حافظت عليه حتى ألقاكم معًا في العام المقبل فلا أعلم ما سيكتب لك الرب الرحيم من الأجر.
لا تنشغل عن بيوت الله، ففيها ستجدني، لا تكسل عن حضور الجماعات فتخسر سبعين ضعفا فوق السبع والعشرين درجة، ولا تنأ بنفسك عن حلقات العلم والذكر والصحبة الصالحة المصلحة، فهناك تتنزل الملائكة والسكينة والرحمة، ولا تتقاعس عن تدبر كتاب الله وآياته سواء في النهار أو الليل، ولا تنخدع بخطط الشيطان وجنده، فإنك إن انخدعت بها فقد خسرت خسارة ما بعدها ربح، كالتاجر صاحب الأموال الذي يُصدق صعلوكًا يريد سرقته يقول له: لا تتاجر بمالك في هذا الشهر، فإذا بالسوق ينشط والتجار يربحون، وصاحبنا قد صدّق هذا اللص، وجلس يندب حظه فيما الصعلوك يسرق ماله حتى تركه مفلسًا، وطُرد من زُمرة التجار.
لا تمنع يديك من الجود بما لديك من المال والطعام واللباس، فقد كان المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ أجود ما يكون عند حضوري، فاقتدِ به، تفقَّد أُسر من سقط شهيدًا أو من اعتقل والمساكين والأيتام الآخرين، فإنك لا تعلم ما سيمتلئ به سجلك من الدرجات، ولربما يعفو عنك المهيمن بهذا ويجعلك ممن يدخلون الجنة بلا حساب ولا عقاب.
هذا ندائي الآخير إليك.. مؤكدا أني سآتي في العام المقبل وبعده إلى قيام الساعة، ولكن من يضمن أنك ستبقى إلى غد؟! اكسبْ ما عندي من أجر وخير ومغفرة قبل أن تقول: (...رب ارجعون، لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ، كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) المؤمنون:100، وحينذاك... لا أملك لك من الله شيئًا... فاكسبوني قبل أن تفقدوني