فهرس الكتاب

الصفحة 12479 من 27345

سامي بن عبد العزيز الماجد 8/5/1427

النصوص المستفيضة من الكتاب والسنة تشهد بأن سدّ الذرائع أصل معمولٌ به في الشريعة، ومنها قرر أهل العلم قواعد مهمة في هذا الباب، منها: (للوسائل أحكام المقاصد) ، (كل ما أفضى إلى حرام فهو حرام) ، والحديث عنها تتوزعه النقاط الآتية:

أولًا: العقل الصريح يوجب العمل بأصل سدّ الذرائع.

لم ينفرد علماء الشريعة بالعمل بهذا الأصل (سدّ الذرائع) ، بل هو معمول به حتى في الأنظمة والقوانين الوضعية، وما من دولة إلا وهي تعمل بقاعدة سدّ الذرائع في أنظمتها وقوانينها، وإن اختلفت في درجة العمل به تضييقًا أو توسيعًا.

ثانيًا: سدّ الذرائع بين التيسير والتشديد.

أصل قاعدة سدّ الذرائع متفق عليه، فكل ما يفضي إلى الحرام قطعًا فهو حرام عند أهل العلم جميعًا، ولا خلاف بينهم في هذه الصورة، وكذلك ما نص الشرع على تحريمه مما يفضي إلى الحرام غالبًا؛ كالخلوة مثلًا، فهم متفقون على تحريمها؛ عملًا بالنص، لا إعمالًا بسدّ الذرائع. كما ذهب جمهور العلماء إلى العمل بسدّ الذرائع فيما يفضي إلى الحرام غالبًا، وإن كان لا يُقطع بإفضائه إليه، واختلفوا فيما دون ذلك مما تردّد فيه الأمر: هل يفضي إلى الحرام أم لا؟ أو تساوى فيه الاحتمالان، فمنهم من يعمل القاعدة فيه، ومنهم من لا يعملها.

ومهما يكن؛ فهو من مورد الاجتهاد الذي تختلف فيه المدارك والأفهام، وتتباين فيه الأقوال، فلا تثريب ولا تشديد ما دام أن المجتهد قد اجتهد وُسْعه، وأعمل فكره، وراعى المقاصد، ووازن بين المصالح والمفاسد.

وأما الذرائع الضعيفة والتهمة البعيدة، فلا ينبغي أن تُعمل فيها القاعدة فتُسدَّ؛ لأن العبرة بالغالب، وهي في الغالب لا تُفضي إلى المنكر، فمنعها ضربٌ من التضييق، وإفراطٌ في إعمال (سدّ الذرائع) .

قال القرافي ( كما نقله عنه الزركشي في البحر المحيط 8/90) :"ومنها ما هو ملغي إجماعًا؛ كزراعة العنب؛ فإنها لا تُمنع خشية الخمر، وإن كان وسيلة إلى الحرام"أهـ.

إن الذريعة التي يجب أن تُسدّ هي الخطوة القريبة التي تفضي إلى المنكر يقينًا أو في غلبة الظن، أما الخطوات البعيدة التي بينها وبين الحرام خطواتٌ أدنى فتحريمها بحجة سدّ الذريعة هي نفسها ذريعة إلى التشديد والتضييق يجب أن تُسدّ؛ فمثلًا: يحرّم الإسلام من الاختلاط ما هو مظنة المزاحمة والخلوة؛ لكن لا يجوز بحالٍ أن نُحرِّم على النساء أن يمشين مع الرجال في طريق واحد، أو نحرّم عليهم مجرد الاجتماع في مكان يحويهم جميعًا تكون فيه النساء بمعزل عن الرجال! والنبي لم يمنع النساء من المرور بطريقٍ يمر به الرجال، وإنما أمرهن بالبعد عن مزاحمتهم منعًا من تماسّ الأجساد، فقد صح عنه أنه قال: لما خرج الرجال والنساء من مسجده جميعًا:"لا تُحقِقن الطريق، ولكن عليكن بحافة الطريق". فهو -كما ترى- تجنّب للمزاحمة والاختلاط الذي يُفضي إلى الفتنة، لا تجنّبٌ لمشي الرجال والنساء في طريق واحد.

ثالثًا: اختلاف أهل العلم في بعض صور سدّ الذرائع لا يعود على أصلها بالنقض والبطلان:

لئن اختلف العلماء في درجة الأخذ بقاعدة (سدّ الذرائع) والتوسع في إعمالها، فلا يصح أن نجعله من الاختلاف الذي يعود على أصل القاعدة بالنقض والبطلان، فقد اختلفوا في بعض صور القياس وضروبه، ولم يكن ذلك الاختلاف مبطلًا لحجيّة القياس، ولا ناقضًا لأصله.إنما ذلك اختلافٌ في إعمالِ القاعدة وتحقيقِ مناطها، لا في أصل العمل بها.

رابعًا: المبالغة في سدّ الذرائع لا مسوّغ له إطلاقًا:

إن الذي نراه هو أن المبالغة في سدّ الذرائع بحجة الغيرة على الأعَراض -مثلًا- لا يخدم الغرض نفسَه، وقد يخدمه حينًا من الدهر؛ لكنه لا يلبث أن يكون عونًا ودافعًا للناس للتساهل في تقحّم بعض الذرائع التي هي - في الحقيقة- فتنةٌ واقعةٌ، أو تفضي إلى الحرام؛ كردة فعل منهم على ذلك التشدد.

خامسًا: استثناء في إعمال قاعدة (سدّ الذرائع) .

إن تحريم الذرائع التي تفضي إلى الحرام قطعًا أو غالبًا هو من قبيل تحريم الوسائل لا من قبيل تحريم المقاصد، ولذا فما حُرّم من هذا القبيل فإنه يُباح عند الحاجة، ولو لم تكن ثمة ضرورة، ومن شواهد ذلك في كتب أهل العلم:

1ـ قولهم: (ما كان منهيًا عنه للذريعة فإنه يُفعل لأجل المصلحة الراجحة) ( يُنظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية 22/298، وزاد المعاد 2/242، إعلام الموقعين 2/142)

2ـ قولهم: (يُغتفر في الوسائل ما لا يُغتفر في المقاصد) يُنظر: الأشباه والنظائر للسيوطي ص293.

ومن أمثلة ذلك ما ذكره ابن تيمية (مجموع الفتاوى 23/186) :"ثم إن ما نهى عنه لسدّ الذريعة يُباح للمصلحة الراجحة كما يُباح النظر إلى المخطوبة ...فإنه لم ينه عنه إلا لأنه يفضي إلى المفسدة، فإذا كان مقتضيا للمصلحة الراجحة لم يكن مفضيًا إلى المفسدة".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت