وقال في موضع آخر (23/214) :"ما كان من باب سدّ الذريعة إنما ينهى عنه إذا لم يحتج إليه، وأما مع الحاجة للمصلحة التي لا تحصل إلا به وقد ينهى عنه؛ ولهذا يُفرق في العقود بين الحيل وسدّ الذرائع: فالمحتال يقصد المحرم، فهذا ينهى عنه. وأما الذريعة فصاحبها لا يقصد المحرم؛ لكن إذا لم يحتج إليها نُهي عنها، وأما مع الحاجة فلا"أهـ.
ويتبين مما سبق: أن إباحة ما حُرِّم سدًا للذريعة لأجل الحاجة منزعُه من الترجيح بين المصالح والمفاسد، فما كانت مصلحته أرجح من مفسدته فإنه لا يُسدُّ، بل يباحُ مراعاةً للمصلحة الراجحة وإلغاء للمفسدة المرجوحة.
سادسًا: (فتح الذرائع) .
مصطلح (فتح الذرائع) مصطلح عبّر به بعض العلماء؛ كالقرافي، حيث يقول - شرح تنقيح الفصول ص449:"اعلم أن الذريعة كما يجب سدّها، يجب فتحها، ويُكره ، ويُندب، ويُباح...".، ويقول ابن عاشور ـ مقاصد الشريعة ص369:"إن الشريعة قد عمدت إلى ذرائع المصالح ففتحتها". والقواعد الفقهية تؤيد هذا؛ ولكن بعبارات أخرى، مثل: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب"، و"ما لا يتم المباح إلا به فهو مباح"."
غير أن استعمال هذا المصطلح"فتح الذرائع"-فيما أحسبُ- فيه إيهامٌ حتى وإن كان مستعملًا عند بعض أهل العلم، إذ يتوهم من يسمع به أن المقصود هو فتح الذرائع التي سُدَّتْ؛ لإفضائها إلى المحظور.
ولذا وقف بعض الأحبة من هذا المصطلح موقف الرفض؛ ظنًا منه أن المقصود هو فتح الذرائع التي تفضي إلى الحرام، وليس بصحيح، وإنما المقصود هو فتح وسائل المباح والواجب والمندوب.
ورفعًا لهذا اللبس والإيهام: فالأولى ترك استعمال هذا المصطلح إلى التعبير بـ"التوسط والاعتدال في إعمال قاعدة سدّ الذرائع"، بحيث لا يُسدّ من الذرائع إلا ما أفضى الى المحظور غالبًا، وكانت مفسدته أرجح من مصلحته؛ لأن التوسط في إعمال هذه القاعدة يجعل ذرائع المباح مفتوحة للناس استصحابًا للأصل؛ وهو أن الأصل في الأشياء الإب