فهرس الكتاب

الصفحة 11627 من 27345

الوسطيّة .. وآثار صفة الله في القلوب (9/10)

د. علي محمد الصلابي 8/7/1426

لكل صفة من صفات الله أثر في قلب المؤمن

وقد يظن الذين يدّعون العلم، وممن لاحظّ لهم من علوم الشريعة، أن معرفه أسماء الله وصفاته لا تؤثر في الإيمان بالله من حيث الزيادة والنقصان ولا تؤثر في القلوب، ولذلك لا فائدة من معرفتها أو جهلها أو إثباتها أو إنكارها، وقد توسع في هذا الجانب الفلاسفة الذين وصفوا الله تعالى بصفات من عند أنفسهم، وأنكروا وجحدوا ما وصف الله به نفسه ووصفه به رسوله؛ فانحرفوا عن منهج الوسطيّة، ووقعوا في الإفراط والتفريط، وابتعدوا عن الصراط المستقيم ومنهج الاعتدال الذي يبيّنه القرآن.

ومما لا ريب فيه أنه ليست هناك صفة لله في القرآن أو في السنة إلا وقد ساقها الله تعالى لحكمة ومنفعة وغاية، ولولا ذلك لما ساقها، ولما ذكرها؛ لإن كلامه وكلام رسوله ينزه عن العبث واللغو والحشو، ومن ظن أن الله يحشو كلامه بما لا فائدة في ذكره، أو لا غاية من ورائه، أولا أهمية له فقد اتهم الله بالنقص واللغو.

ولبيان أن لكل صفة من صفات الله أثرًا في قلب المؤمن سنبين ذلك ببعض التفاصيل من حيث إن لكل صفة في القلب أثرًا يتضح ذلك ويخرج في السلوك البشري, فلا توجد صفة من صفات الله إلا ولها أثر وفائدة، وإنما الذي ينكر الأثر هم الجهلة والجاحدون، أما علماء أهل السنة والجماعة فبينوا ذلك الأمر بيانًا أوضح من الشمس في رابعة النهار.

أثر صفة العظمة

وهذه الصفة مشتقة من اسمه تعالى العظيم، والعظمة صفة من صفاته لا يقوم لها خلق، والمقصود أن عظمة الله سبحانه وتعالى لا يمكن أن يتصف بها أحد من خلقه، والله خلق بين الخلق عظمة يعظّم بها بعضهم بعضًا، فمن الناس من يعظم ا لمال، ومنهم من يعظّم الفضل، ومنهم من يعظّم العلم، ومنهم من يعظم السلطان، ومنهم من يعظم الجاه، وكل واحد من الخلق إنما يعظم لمعنى دون معنى، والله -عز وجل- يعظم في الأحوال كلها، فينبغي لمن عرف حق عظمته سبحانه ألاّ يتكلم بكلمة يكرهها الله، ولا يرتكب معصية لا يرضاها الله (1) .

فإذا شعر العبد بعظمة الله خاف مولاه واتقاه ورغب في مرضاته سبحانه وتعالى، والحديث الدال على صفة العظمة قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:"يقول تبارك وتعالى: العظمة إزاري والكبرياء ردائي فمن نازعني واحدًا منهما قذفته في النار" (2) .

أثر صفة يد الله

ومن الصفات التي جحدتها قلوب النفاة و أنكرها الزنادقة قديمًا، وصف الله نفسه سبحانه بأن له يدين، وهذا ما قد مدح الله به نفسه في آيات كثيرة من كتابه، وقد مدحه بها النبي -صلى الله عليه وسلم- في أحاديث كثيرة، وهي تدخل في صفات الله الذاتية, وقد بيّن سبحانه في الآيات والأحاديث عظمة كفاءة وسعة فضله، وأن يده الكريمة جل وعلا دائمة العطاء والإنفاق، وفي مجال قوته وجبروته وبطشه وكمال قدرته وبيان عظمته أن السموات والأرض يوم القيامة تكون بيمينه (وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعًا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون) (3)

ولا شك أن آثار الإيمان بهذه الصفة في قلب المؤمن عظيمة، لأنها تورث القلب المهابة لله، والخوف منه وتعظيم أمره، وشأنه، وأنه الملك الذي قهر الملوك، وأنه لا مفر من قبضته، ولا ملجأ منه إلا إليه.

أثر اسم الله الحميد

هذا الاسم يتضمن لصفة الحمد بكل أنواعه، فهي صفة ذاتية لله -عز وجل- لا تنفك عنه، وتظهر آثارها باستمرار في كل لحظة، ومعناها أنه سبحانه مستحق لكل أنواع الحمد؛ لأنه المحمود في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، وليس ذلك لأحد سواه سبحانه، كما يبدو لي أن العبد لابد أن يسلك في حياته سلوكًا يُحمد عليه؛ لأن أعماله جميعًا يجب أن تكون خاصة للحميد، ولو أن كل فرد تحرّى أن يكون عمله حميدًا لصلح أمر الناس في الدنيا والآخرة، ولاختفت المنازعات فيما بينهم والخصومات و لعاشوا جميعًا أخوة في الله متحابين (4) .

أثر اسم الله المهيمن

ومن آثار هيمنته سبحانه أنه يملك أن يتصرف في خلقه كيف يشاء؛ لأنهم ملكه، والمالك من حقه أن يتصرف في ملكه بكافه أنواع التصرف, من نماذج هذه التصرفات ما ذكره الله تنبيهًا وتذكيرًا باستمرار وشمول هيمنته على خلقه سبحانه وتعالى (5) .

قال تعالى ( قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر تدعونه تضرعًا وخفية لئن أنجانا من هذه لتكونن من الشاكرين قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب ثم أنتم تشركون قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابًا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعًا ويذيق بعضكم بأس بعض انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون) (6)

وإذا شعر القلب بهيمنة ربه عليه لجأ إليه وطلب العون منه لدفع ضر أو جلب نفع، والآيات في هذا الباب كثيرة، وكذلك أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.

أثر صفه العلو في قلب العبد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت