إذا أيقن العبد أن الله تعالى فوق السماء، عالٍ على عرشه بلا حصر، ولا كيفية، وأنه الآن في صفاته كما كان في قدمه، كان لقلبه في صلاته وتوجههه، ودعائه ومن لا يعرف ربه بأنه فوق السماء على عرشه، فإنه يبقى ضائعًا لا يعرف وجهة معبوده، ولكن ربما عرفه بسمعه، وبصره، وقدمه وتلك بلا هذا معرفة ناقصة، بخلاف من عرف أن إلهه الذي يعبده فوق الأشياء، فإذا دخل الصلاة وكبّر وتوجّه قلبه إلى جهة العرش منزهًا له تعالى، مفردًا له كما أفرد في قدمه وأزليته، ويعتقد أنه في علوه قريب من خلقه، وهو معهم بعلمه وسمعه وبصره وإحاطته وقدرته ومشيئته، ذاته فوق الأشياء، فوق العرش، ومتى شعر قلبه بذلك في الصلاة أشرق قلبه، واستنار، وأضاء بأنوار المعرفة والإيمان، وعكفت أشعة العظمة على قلبه وروحه، ونفسه، فانشرح لذلك صدره، وقوي إيمانه، ونزّه ربه عن صفات خلقه، من الحصر والحلول، وذاق حينئذ شيئًا من أذواق السابقين المقربين (7) .
أثر صفه السمع
قال تعالى: (قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير) (8)
وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: (الحمد لله الذي وسِع سمعه الأصوات، لقد جاءت المجادلة إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- تكلمه وأنا في ناحية البيت، ما أسمع ما تقول، فأنزل الله -عز وجل-( قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها ) (9)
أقول: لو أن دارس الأسماء والصفات ومدرسيها تأملوا ماد لت عليه هذه الصفات، وأشعر المرء نفسه أنه مراقب في جميع أحواله، وأن ما ينطق به لسانه يسمعه خالقه من فوق سبع سماوات في حينه، وأنه سيجازيه على ذلك لانعكس على سلوكه وأخلاقه وأعماله وسيرته في مجتمعه، و لظهرت الأخلاق الربانية وأصبح الشخص لله وليًا، يمشى على وجه الأرض، ولشعرنا أن الأخلاق الرفيعة ثمرة من ثمرات التوحيد، وبقدر ما يملك العبد من الإيمان والتوحيد ينعكس ذلك ويظهر على أخلاقه.
ولابد أن نراعي قواعد السلف عند تأملنا وتفكرنا في أسماء الله وصفاته التي تزيدنا إيمانًا بالله العلي العظيم, ويعجبني في هذا المقام أن أكتب ما كان يقوله ويكرره شيخي الفاضل الحق عبد المحسن العباد في دروسه بالمدينة المنورة ( المذهب الحق وسط بين الطرفين في قضية الإثبات، فلا نفي ولا تأويل، وفيه التنزيه فلا تشبيه ولا تمثيل، وكل من المتشبهة والنفاة جمعوا بين إساءة وإحسان, فالمشبهة: أحسنوا إذ اثبتوا فلم ينفوا الصفات، وأساؤوا إذ شبهوا ومثّلوا، وأهل السنة والجماعة جمعوا بين الحسنتين وسلموا من الإساءتين، فإحسان الذي عند الطرفين عندهم، وليس عندهم ما عند كل من الإساءة، وذلك أنهم أثبتوا ما أُثبت في الكتاب والسنة من الصفات، ونزّهوا الله عن مشابهة خلقه، كما قال تعالى:(ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) (10) فأول الآية تنزيه، وآخرها إثبات؛ فمثل هذا المذهب الحق بالنسبة إلى الطرفين المتقابلين كاللبن السائغ للشاربين الذي يخرج من بين فرث ودم (11) .
ثانيًا: تدبر القرآن عل وجه العموم, فإن المتدبر لا يزال يستفيد من علوم القرآن ومعارفه، ما يزداد به إيمانًا, كما قال تعالى: (...وإذا تُليت عليهم آياته زادتهم إيمانًا، وعلى ربهم يتوكلون) (12) .
وكذلك: إذا نظرنا إلى انتظامه، وأحكامه، وأنه يصدق بعضه بعضًا، ويوافق بعضه بعضًا، ليس فيه تناقض ولا اختلاف:- تيقن أنه (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد) ) (13) . وأنه لو كان من عند غير الله، لوجد فيه - من التناقض والاختلاف - أمورًا كثيرة. قال تعالى: (أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا) (14) .
وهذه من أعظم مقوّيات الإيمان، ويقويه من وجوه كثيرة: فالمؤمن بمجرد تلاوته آيات الله، ومعرفة ما ركب عليه من الأخبار الصادقة، والأحكام الحسنة - يحصل له من أمور الإيمان، خير كبير، فكيف إذا أحسن تأمله, وفهم مقاصده وأسراره, لذلك كان المؤمنون الكمَل يقولون:
(ربنا إننا سمعنا مناديًا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا) (15)
ثالثًا: معرفة أحاديث النبي -صلى الله عليه وسلم- وما تدعوا إليه من علوم الإيمان وأعماله - كلها من محصلات الإيمان ومقوّماته فكلّما ازداد العبد معرفة بكتاب الله وسنة رسوله، ازداد إيمانه ويقينه, وقد يصل في علمه وإيمانه إلى مرتبة اليقين, فقد وصف الله الراسخين في العلم الذين حصل لهم العلم التام القوي الذي يدفع الشبهات والريب، ويوجب اليقين التام، ولهذا كانوا سادة المؤمنين: الذين استشهد الله بهم، واحتج بهم على غيرهم من المرتابين (16) .
والجاحدين، كما قال تعالى: (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات، هن أم الكتاب، وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ، فيتّبعون ما تشابه منه: ابتغاء الفتنة، وابتغاء تأويله، وما يعلم تأويله إلا الله، والراسخون في العلم يقولون: آمنا به كل من عند ربنا، وما يذكر إلا أولو الألباب) (17)