فهرس الكتاب

الصفحة 15078 من 27345

بقلم الدكتور عدنان علي رضا النحوي

التوازن ليس في فطرة الإنسان وحده. ولكن التوازن قائم في خلق الله كله، قائم في الكون كله: في السموات والأرض، في النجوم والشمس والقمر، في الجبال والوديان، في اليابسة والبحار، في الرياح والأمطار، في الثروات الموزعة في الأرض. إنه يكشف لنا دقّة التوازن وعدالته في حكمة ربانية بالغة، وإعجاز رباني بالغ.

لقد خلق الله الكون كله سمواته وأرضه على موازنة ربانية وحكمة بالغة، لتكون مسخّرة للإنسان وحياته وهدايته:

( ألم تروا أن الله سخّر لكم ما في السموات وما في الأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة ومن الناس من يجادل في الله بغير علمٍ ولا هدى ولا كتاب منير )

[ لقمان: 20 ]

فهذه حكمة ربانية. أنّى التفتنا في هذا الكون نرى الآيات البينات. ويعرض القرآن الكريم في معظم سوره آياته المبثوثة في الكون ليتدبّرها الإنسان ويخشع أمام عظمة الخالق الذي لا إله إلا هو، ويرى عظمة التوازن في كلِّ ما خلق الله:

( قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادًا ذلك ربُّ العالمين. وجعل فيها رواسي من فوقها وقدّر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين. ثم استوى إلى السماء وهي دخانٌ فقال لها وللأرض ائتيا طوعًا أو كرهًا قالتا أتينا طائعين. فقضاهنّ سبع سموات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها وزينّا السماء الدنيا بمصابيح وحفظًا ذلك تقدير العزيز العليم )

[ فصّلت: 9ـ12 ]

وتمتدُّ الآيات الكريمة تكشف لنا صورًا شتى من التقدير الرباني المعجز:

( وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزِّله إلا بقدر معلوم )

[ الحجر: 21 ]

(.. وكلّ شيء عنده بمقدار )

[ الرعد: 8 ]

( إنا كلّ شيء خلقناه بقدر )

[ القمر: 49 ]

وخلق الله في الكون متقن غاية الإتقان، مقدّر أعظم التقدير، على أحسن تقويم:

( لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم )

[ التين: 4 ]

( الذي أحسن كلَّ شئ خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين )

[ السجدة: 7 ]

( وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمرُّ مرَّ السحاب صنع الله الذي أتقن كل شيء إنه خبير بما تفعلون )

[ النمل: 88 ]

وهكذا نرى خلق الله كله: تقدير وتقويم وإحسان وإتقان، يحمل دقة الموازنة في كل أمر.

الهواء وتركيبه ونسبة كل غاز فيه، حركة الأرض ودورانها وبعدها وموقعها بالنسبة لسائر النجوم والكواكب، النجوم والكواكب والمجرّات في كونٍ ممتد لا ندرك أطرافه ولا نهايته. الجبال الراسيات، البحار والأنهار، الليل والنهار. وبتلاوة كتاب الله يظل المؤمن مع عظمة هذا التوازن الذي يقوم عليه الكون. إنه الحقّ ! واستمع إلى هذه الآيات البيّنات:

( تبارك الذي نزّل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرًا. الذي له ملك السموات والأرض ولم يتَّخذْ ولدًا ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيءٍ فقدّره تقديرًا )

[ الفرقان: 1،2]

وتدبّرْ هذه الآيات الكريمة:

( سبْحَان الذي خلق الأزواج كُلَّها مِمَّا تُنْبِتُ الأرضُ ومِنْ أنفُسِهم وَمَمَّا لا يعلمون. وآيةٌ لَّهُمُ الليلُ نَسْلخُ مِنْه النهار فإذا هُم مُظْلِمون. والشمس تجرِي لمُستقَرٍ لها ذلك تقدير العزيز العليم. والقمر قدَّرناه منازل حتى عاد كالعُرْجون القديم. لا الشمس ينبغي لها أن تُدرِك القمر ولا الليلُ سابقُ النّهارِ وكُلٌّ في فلكٍ يسبحُون )

[ يس: 36 ـ 40 ]

ونلمح التوازن هنا في كلمة:"الأزواج، تجري لمستقرٍّ لها، قَدّرْناه منازل، لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر..."

( الله يَعْلمُ ما تحْمِلُ كُلُّ أنثى ومَا تَغيضُ الأرحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وكلّ شَيء عِندهُ بمِقْدَارٍ )

[ الرعد: 8 ]

وما تغيض الأرحام وما تزداد، وكل شي عنده بمقدار، تحمل كل ظلال التوازن.

( والأرض مَدَدناها وألقينا فِيها رواسي وأنبتنا فيها من كُلِ شَيء موزون. وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم لهُ برازقين. وإن من شيءٍ إِلا عندنا خزائِنه وما نُنزِلُه إلا بقدرٍ مّعلومٍ. وأرسلنا الرياح لواقِح فأنزلنا من السماء ماءً فأسقيناكموه وما أنتم له بِخازنين. وإنا لنحنُ نُحيي ونُمِيت ونحن الوارِثُون. ولقد عَلِمنا المستقدمين مِنكم ولقد علِمنا المستأخرين.

[ الحجر: 19-24 ]

جولة واسعة تعرض التوازن في الكون والحياة حتى شملت الموت والحياة، والمستقدمين والمستأخرين. وفي مد الأرض توازن، وفي إرساء الجبال، وفي كل ما تنبت الأرض، وكلُّ شيء موزون. وعند الله خزائن كلِّ شيء وما ينزله إلا بقدر معلوم، وبقدرٍ يحفظ التوازن ويُمضي سنن الله في الكون. ونلاحظ هنا عظمة الشمول في إِعجاز التعبير القرآني:"وإن من شيء إلا عندنا خزائنه...". والموت والحياة يمضيان على سنن لله في كل ما فيها من توازن:"وإنا لنحن نحي ونميت ونحن الوارثون".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت