فهرس الكتاب

الصفحة 15079 من 27345

يمضي القرآن الكريم يعرض لنا صورًا متعددة من آيات الله البينات في هذا التوازن في خلقه كله. وتمضي جهود الإنسان تضرب في آفاق الحياة لتكتشف آية بعد آية، وسنّة بعد سنّة، وتوازنًا يمسكه توازن.

وجولة قرآنية أخرى:

( الرحمن.علم القرآن. خلق الإنسان. علّمه البيان. الشمس والقمر بحسبان. النجمُ والشجر يسجُدان. والسماء رفعها ووضع الميزان. ألا تطغوا في الميزان. وأقيموا الوزن بالقسط ولا تُخْسرُوا الميزان. والأرض وضعها لِلأنام )

[ الرحمن: 1-10 ]

"الشمس والقمر بحسبان"توازن محسوب وتقدير معلوم. إنه تقدير رباني ونقله واسعة": والسماء رفعها". ولكنه رفع على تقدير وحساب:"ووضع الميزان. ألا تطغوا في الميزان..". هذا التوازن الذي جعله الله من سننه ومشيئته في الكون كله، كيف يخرج عنه الإنسان بسلوكه وعمله... ؟ فكان أمر الله إليه:"ألا تطغوا في الميزان..."وسنعود لهذه الآيات الكريمة مرة أخرى.

وإِنا لَنَرى التوازن والحكمة البالغة في سنن الله الثابتة في الكون والحياة:

لقد قدّر الله سننًا ماضية في الكون والحياة، جعلها الله ثابتة رحمة منه بعباده، حتى يتعرَّفوا عليها حينًا بعد حين، فيروا التوازن والحكمة البالغة فيها:

( سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلًا )

[ الأحزاب: 62 ]

( هو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلًا وأجلٌ مسمى عنده ثم أنتم تمترون )

[ الأنعام: 2 ]

وأيضًا: ( كلُّ نفس ذائقة الموت ونبلوكم بالشرّ والخير فتنة وإلينا ترجعون )

[ الأنبياء: 35 ]

( وكذلك نولّي بعض الظالمين بعضًا بما كانوا يكسبون )

[ الأنعام: 129 ]

( ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون )

[ الأنعام: 131 ]

وآيات بيّنات كثيرة تكشف لنا دقّة السنن الربانيّة وثباتها وعدالتها وموازنتها على حكمة ربانية بالغة. ولولا ثباتها لما عرفها الإنسان، ولا استقامت له حياة. ولا يستطع الإنسان أن يقيم موازنة له في حياته إلا إذا عرف السنن الربانيّة واستجاب لها دون أن يُصادمَها.

1ـ التوازن في سنّة الله في الحياة والموت:

لقد كان من أهم مظاهر التوازن في هذا الكون، سنّة الله في الحياة والموت، وبين الحياة الدنيا والآخرة، على حكمة ربّانية بالغة:

( تبارك الذي بيده الملك وهو على كلّ شيء قدير. الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملًا وهو العزيز الغفور. )

[ تبارك: 1، 2 ]

فالحياة الدنيا دار ابتلاء وتمحيص، حتى تقوم الحجّة يوم القيامة على كل إنسان أو تقوم له. وعلى أساس ذلك يمضي الإنسان في حياته فإما إلى جنّةٍ وإما إلى نار.

( كلُّ نفس ذائقة الموت وإنما توفّون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور. )

[ آل عمران: 185 ]

هذه هي الدنيا، دار ابتلاء، ومتاع الغرور، ولعب ولهو، وزينة وتفاخر لا بقاء له. والآيات الكريمة والأحاديث الشريفة كثيرة تلحُّ بهذه القضية كأساس للتصوّر الإيماني:

( وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو وللدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون )

[ الأنعام: 32 ]

وهكذا قدّر الله الحياة الدنيا والآخرة على أعظم تقدير وأحكمه وأعدله فجعل الحياة الدنيا مرحلة انتقال أو مرور إلى دار الخلود. وجعل في الحياة الدنيا مهمة على الإنسان أن يوفي بها. وأمانة عليه أن يؤديها، وعبادة عليه أن يقوم بها، وخلافة عليه أن ينهض لها لعمارة الأرض بحضارة الإيمان وبشرع الله ودينه. فما يصيب الإنسان من بلاء فإنه بما كسبت يداه لا يظلمه الله أبدًا:

( إن الله لا يظلم الناس شيئًا ولكن الناس أنفسهم يظلمون )

[ يونس: 44 ]

( وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير )

[ الشورى: 30 ]

وتتوالى الآيات لتفصّل في هذه القضية أوسع تفصل ولتلحَّ بها كلَّ الإلحاح. وإذا كانت سنن الحياة الدنيا تمضي بقدر من الله على أدقّ موازنة وأعدلها، فإنَّ الدار الآخرة كذلك يمضي بها قدر الله على أدق موازنة وأعدل تقدير، حيث توضع الموازين القسط ولا تظلم نفسٌ شيئًا:

( ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تُظلم نفس شيئًا وإن كان مثقال حبَّة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين )

[ الأنبياء: 47 ]

وكذلك: ( والوزن يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خَفّت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون )

[ الأعراف: 9،8 ]

يحاسَب الإنسان يوم القيامة على ما عمل في الحياة الدنيا، وعلى مدى وفائه بالعهد الذي أخذه الله منه في عالم الغيب، وعلى مدى وفائه بالعبادة والأمانة والخلافة والعمارة ! ولا يمكن للإنسان أن يقيم موازنة أمينة عادلة في حياته إذا كان لا يعرف مهمته في الحياة الدنيا، ولا يعرف كيف يكون مصيره في الآخرة.

2ـ الموازنة أساس الوفاء بالأمانة والعهد:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت