... بقلم: عبد القادر السعيد *
كتاب الله (القرآن الكريم) هو المعجزة الخالدة التي بقيت بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وسلم ) شاهدة على رسالة توحيدية جاءت للإنسانية جمعاء، رسالة أساسها توحيد الله و الإقرار بربوبيته و ألوهيته، رسالة إلهية تخاطب البشر بأنهم إن تمسكوا بها نالوا الخير في الدارين، وإن ابتعدوا كانوا من الأشقياء في الدنيا قبل الآخرة .من هذا فقد كان القرآن الكريم وبما يحويه من سور وآيات بمثابة (الدستور ) الذي تُرك لهذه الأمة من أجل أن ينير لها الطريق الأصوب و الأصلح ويعطيها مفاتيح الخير، و ويجنبها كل ما في هذه الحياة من مساوئ و خطايا و أخطاء .
بعد هذا التوضيح البسيط جدا لأهمية القرآن الكريم في حياة البشر، أردت أن ألج الموضوع المعني بالدراسة وهو البحث و التنقيب في حنايا سورة قرآنية كريمة، حقيقة السورة من صغار السور القرآنية و التي حفظناها صغارا عن ظهر قلب، وللأسف أننا لم نكن نفهم ما تحمله من معاني ، غير أنه - ولله الحمد- أدركنا قيمتها في كبرنا وعرفنا مدى شاسعة معانيها وما تحمله من توجيهات ربانية ، في سورة عدد آياتها 3آيات فقط.
الدافع لكتابة هذا الإسهام
أريد أن أشير أولا إلى أنني لست بعالم متضلع في علوم القرآن والتفاسير و علوم الدين عموما، غير أنني من منطلق حديث سمعته من أحد الزملاء قال لي فيه أن لكل مسلم سورة في القرآن يحب قراءتها و يحب ترتيلاها وكأنه يرى أن تلك السورة نزلت لأجله - ولا أقصد أي شيء مخالف للدين - ، وكما أسلفت فإن هذه الفكرة دفعت بي إلى أن أبحث في ما تحمله السورة- التي سأعنى بعرضها- و هي ( سورة العصر) من معاني و إرشادات لأنها بكل صراحة هي من السور القريبة لنفسي و أشعر عند قراءتها بشيء جميل يساورني و بشكل دائم.
بسم الله الرحمن الرحيم: ( و العصر(1) إن الإنسان لفي خسر (2) إلا الذين ءامنوا وعملوا الصلحات و تواصوا بالحق و تواصوا بالصبر (3 ) ) (1) وسنبدأ البحث آية بآية أن شاء الله .
{و العصر}
بدأت السورة بقسم وهو و (العصر) و الكل يعلم أن سور عديدة و ردت في التنزيل الحكيم تفتح بقسم مثل: ( والتين والزيتون، و الشمس وضحاها، والفجر،..) و هذا اليمين الذي تفتتح به السورة يعود إلى حكمة ربانية في إختيار موجودات من دون غيرها في هذا القسم أو غيره ، و هناك من يقول أن السبب يعود إلى أن الله يشير إلى أن كل الموجودات الكونية هي موجودات مقدسة مهما تنوع أصلها.
أما (العصر ) فقد اختلف حول ما المقصود منه، غير أن أغلبها تُجمع على أنه الدهر، وهذا ما جاء في تفسير الطبري: ( ...اختلف أهل التأويل في تأويل قوله(والعصر) ...و الصواب من القول في ذلك: أن يقال: إن ربنا أقسم بالعصر (والعصر) اسم الدهر، وهو العَشي و اللَيل و النَهار، و لم يخصص مما شمله هذا الاسم معنىً دون معنىً، فكل ما يلزم هذا الاسم فداخل فيما أقسم به جل ثناؤه) انتهى قول الطبري (2) .
وهناك من قال أن الله عزوجل أراد من (و العصر) الليل و النهار، وهناك من قال أنه قسم بصلاة العصر و هناك قول بأنه الفترة الأخير من النهار أي ما بين زوال الشمس و الغروب، غير أن التفسير الأقرب للصحة هو المذكور في الأول و الذي أجمع عليه العديد من المفسرين .
أما ما نستشفه من هذا القسم بالزمن فهو أن الإنسان في خسران دائم لأنه كل يوم يفقد يوما من عمره فربط آخر النهار و هو العصر بالإنسان له هذا معنى أن الإنسان وجب عليه تدارك أيامه و لياليه قبل أن تنقضي.
{ إن الإنسان لفي خسر }
و (الإنسان) هنا قد جاء بصورة عامة، لأن المراد به هو الجنس عامة، و (الـ ) هي دليل هذا القول، لاعتبار أنها حلت محل (كل) أي (كل إنسان في خسر) ، و معنى هذه الآية الكريمة تُظهر أن اله قد اقسم على أن الإنسان في خسر أي في خسران و نقصان دائمين و هنا يقول أحد الإمام الشيخ أحمد بن مصطفى العلاوي: (3) ( إن الإنسان في منتهى غاية الخسران في حال أنه لا يشعر بشيء من ذلك الخسران بما زين له من سؤ عمله، وتحكم شهواته،حكمة من الله:"وكذلك زينا لكل أمة عملهم") (4) ،أما حرف الجر (في) فيعني أن الإنسان منغمس غارق في الخسران و أن هذا لأخير يحيط به من كل جانب . و حديث رسول الله ( صلى الله عليه وسلم يثبت ذلك فنعن أنس بن مالك قال قال رسول الله(صلى الله عليه وسلم) : ( من كانت الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه و جمع له شمله و أتته الدنيا و هي راغمة ومن كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه و فرق عليه شمله و لم يأته من الدنيا إلا ما قُدر له) و هذا ما يدلل على أن الإنسان يسعى في هذه الدنيا محاطا بكل ما يدفعه إلى البحث عن الدنيا و من خلال ذلك ينغمس في الخسران تاركا فضل الآخرة ، وفي هذه النقطة يقول الشيخ أحمد بن مصطفى العلاوي: ( أما وجه الخسران فقد يبعد أن يتصوره الإنسان، على ما هو عليه، إلا بعد مقارنته بحالته الحاضرة.) انتهى قول الشيخ.