{ إلا الذين ءامنوا و عملوا الصالحات }
بعد معرفتنا بأن الإنسان هو خسران دائم، فقد استثنى عظيم الشأن من هذه الحالة (الذين ءامنوا وعملوا) ومعنى ذلك أن الناجي و السالك من حالة الخسران هو من المؤمن إيمانا لا تردد ولا شك فيه، والإيمان كما يوضحه الحديث الشريف و الذي يروي قدوم جبريل عند النبي و الصحابة عنده فبدأ يسأله و الرسول (صلى الله عليه وسلم يجيبه ) ومن ضمن ما جاء في الحديث أن سأل جبريل (عليه السلام ) الرسول عن الإيمان فرد عليه: (... أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله و اليوم الآخر وبالقدر خيره وشره..) في هذا إيجاز لمعنى الإيمان بكل وضوح. و العمل الصالح ، و الاستقامة، وترك النواهي، أن تبذل في سبيل الله، أن تفعل الخير و تساعد عليه وتساهم فيه، و الحياء شعبة من الإيمان ، وكل ما يمكن أن يقرب لله فهو من معاني العمل الصالح .كل ما ذكرنا عن الأعمال الصالحة و مناحيه فإنه لا يصلح إذا لكم يكن خالصا لوجه الواحد الديان فالإخلاص لعمري هو الأساس في كل الأعمال.
وهنا يقول الشيخ العلاوي: ( وقليل ما هم أعني من تتوفر فيهم تلك الخلصال الكريمة، و النعوت العظيمة التي تضمن لم السعادة غير المشوبة بأدنى شقاوة...) (5) .
{ وتواصوا بالحق و تواصوا بالصبر}
من الاستثناء الذي وضعه رب العباد إلى الشطر الثاني المُحدِد لصلاح العباد، والذي حدده سبحانه عظم شأنه في ( التواصي بالحق و التواصي بالصبر) و نفصل الأمرين:
التواصي الحق: و التواصي اشتق من الوصية و التوصية، أي بما معناه على الناس وعلى المؤمنين على الفاعلين للخير أن يتواصوا فيما بينهم بالحق و الذي يعرف بأنه الشرع أي ما شرعه الله لهذه الأمة من أوامر ونواهي من هذا الباب فإن كل واحد من عباد الله المؤمنين يوصي أخاه إن رآه مفرطا في أمور دينه وينبهه لذلك لأن هذا الأمر هو من شواهد الإيمان (أن تحب لغيرك ما تحب لنفسك) ، هذا التوجيه الرباني يعطي لنا صورة على أن الإسلام يرى الفرد في مجتمعه مؤثرا متأثرا به ويجب عليه من خلال هذا أن يساهم و يحاول أن يصلح وأن يكون ذا شخصية (إيجابية) تعطي و تساهم ولا تلقي بالا للأقوال المثبطة للجهد.
أما التواصي بالصبر: و الصبر يعرف على انه ( حبس النفس عما لا ينبغي فعله) وقد قسمه أهل إلى العلم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: صبر على طاعة الله:أي أن يجاهد المسلم نفسه من أجل أن يأتي بفرائض الدين على أحسن وجه لأن النفس تدعوك دائما على التراخي و التكاسل .
القسم الثاني: صبر على محارم الله: أي أن يسعى المسلم جاهدا من أجل مجانبة كل ما حرم المولى العزيز.
القسم الثالث: صبر على أقدار الله: أي يرضى ويحتسب المسلم على كل ما يأتيه من عند خالق الأكوان من دون تضمر و لا بدون قنوط من رحمته.
من خلال هذا العرض لأنواع الصبر ندرك مدى عظم هذه الخصلة وما لها من تأثير على حياة المسلم ، ونريد أن نشير إلى نقطة حرجة في هذه السورة، فالصبر هنا ليس مقصورا على التواصي بالحق فقط بل هو متعلق بالإيمان و بالعمل الصالح و بالتواصي على الحق، فمن اجل أن تشد على إيمانك يليق لك الصبر و من أجل عمل ما هو صالح يجب لك الصبر و من أجل أن تتواصى مع إخوانك حول ما فيه صلاح للدين و للدنيا فتحتاج إلى الصبر .
ختاما سورة العصر
وأقصد من هذا العنوان أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا عند اجتماعهم أو تفرقهم من مجلس مع الرسول الأكرم ( صلى الله عليه وسلم) أو من دونه كانوا يقرؤون هذه السورة ولهذا الموضع دليل على ما ذكرناه من اشتمالها على معاني ربح أو خسران بن آدم في حياته عامة.
و تذكيرا لما سبق عرضه وحتى نستجمع كل ما جاء في هذه السياحة القرآنية نُجمع القول في نقاط هي (6) :
1.القسم بالعصر يدل على عناية الإسلام بالوقت أو الزمن.
2.أن الخسران نصيب الإنسان إلا من آمن وعمل صالحا.
3.تربط السورة بين العمل الصالح والإيمان .
4.التواصي بالحق و الصبر بيان على اثر الرفقة والصحبة الصالحة.
5.وتخصيص الصبر بالذكر له دليل على أننا عرضة للأذى و يجب علينا الصبر.
و ختاما فقد قال الإمام الشافعي -رحمه الله- عن سورة العصر: ( لو لم تنزل على الناس إلا هذه السورة لوسعتهم ) و يقصد هنا في مناحي الوعظ و الدفع إلى فعل الخير .
جعلني الله و إياكم ممن آمنوا ويعملون الصالحات و يتواصون بالحق و يتواصون بالصبر - آمين.
الهوامش:
* للتواصل البريد الإلكتروني:said1482@caramail.com
1-سورة العصر سورة مكية وهي في الجزء الثلاثين .
2-تفسير الطبري لسورة العصر.
3-الشيخ أبو العباس أحمد بن مصطفى بن عليوة المعروف بالعلاوي، ولد بمستغانم سنة 1869وبها نشأ، وتوفي سنة 1934، مؤسس جريدة (لسان الدين) 1923و جريدة (البلاغ الجزائري) سنة 1926.
4-الشيخ أحمد بن مصطفى العلاوي، مفتاح علوم السر في تفسير سورة (والعصر) ، تونس
5-الشيخ أحمد بن مصطفى العلاوي، المرجع ذاته