د.عبد الوهاب بن ناصر الطريري 24/10/1423
في الأيام الأولى من حرب حزيران (67) كان اليهود يعيشون نشوة انتصار كبير في معركة بدت محسومة من ساعاتها الأولى بالضربة القاضية، وكان نصرهم أكبر من دولتهم ومن إمكاناتهم بل ومن طموحهم .
وكانت جماهير العرب تعيش - أيضًا - نشوة نصر موهوم، فقد كانت البيانات العسكرية والعناوين الكبرى في الصحف تنقل إليهم أخبارًا لم تحدث إلا في الخيال عن عدد الطائرات الإسرائيلية التي أسقطت ، وقتلى الصهاينة ، واندحار جيش العدو ، وخرجت صحيفة الأهرام في يوم 6/6/1967م بالعناوين التالية:
* قواتنا المدرعة تتوغل داخل خطوط العدو .
* إسقاط أكثر من (86 طائرة) للعدو وأسر وقتل عدد من طياريه .
* معارك ضارية مع العدو على طول الخط توجه له قواتنا ضربات متلاحقة وتلحق به خسائر فادحة في البر والجو.
ولكن عمر هذه النشوة كان قصيرًا؛ إذ سرعان ما بددت الحقيقة ضباب الوهم ، وأفاقت جماهير العرب على صدمة الهزيمة التي سميت (نكسة) ، وخسرت الأنظمة الثورية المعركة ، وخسرت معها - أيضًا - مصداقيتها لدى الجماهير التي اكتشفت أن هذه الأنظمة لم تضللها بالبيانات الكاذبة عن المعركة فقط، وإنما كانت تريغها بكواذب الوعود وأكاذيب الأخبار، واكتشفت الجماهير حقيقة صواريخ الصفيح التي كانت تسمى (القاهر) و (الظافر) ، واكتشفت معها حقيقة الثورة ورجالها ، وعمود الكذب الذي كانت ترفع عليه آمال الجماهير ومشاعرها ، والتي سرعان ما تهاوت بانهيار هذه الأكاذيب التي تحملها، وأغلق حانوت أحمد سعيد الذي كان يسوق فيه أكاذيب الثورة من خلال برنامج (أباطيل تدحضها حقائق ) وذلك أن الحقائق حقت ، والأباطيل بطلت ، وعرف كل نصيبه منها ، واتضح أن حبل الكذب مهما طال فهو قصير ، وكان درسًا بليغًا لمن يعي ، وعبرة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
واليوم نعيش صورة أخرى مقلوبة لذلك التاريخ ، من خلال الإشاعات التي تسوق الأماني على شكل أخبار ، تنشرها مواقع ومنتديات على شبكة الإنترنت؛ لتبثها للناس على أنها بشائر ، فتتلقفها قلوب الطيبين على أنها حقائق لا تقبل الشك ، جاءت من مصادر موثوقه، ولئن ثبت وقوع شيئٍ من ذلك فقد بقي الكثير منه ركامًا من الشائعات يستطيع من شاء أن يقول لنا: إن هذا إلا اختلاق !
إن المتأمل يدرك أن كثيرًا من وسائل الإعلام العالمية ، وتبعًا لذلك العربية بالغت في تغطية بعض الأحداث ، وتدخلت في تحليلها بطريقة غير موضوعية تنم عن انحياز سافر ، وفقدان للموضوعية مكشوف ، وتتشفى بالتزيد والتهويل ، وما هو عنها بغريب ، فإن المصداقية في هذه الوسائل غير متوفرة ، خصوصًا حين تتدخل عواطفها ورغباتها .
دع عنك أن الموضوعية الإعلامية أصبحت إحدى ضحايا هذه الحرب القائمة وتنكرت الدوائر الغربية للدروس المثالية التي كانت تلقنها الآخرين .
لكن هذا لا يعني المجادلة في الحقائق المادية ، ولا نكران الأوضاع الحسية القائمة ، ولا مقابلة ذلك الانحياز السافر بمبالغات وظنون .
وهنا نقف أمام حقائق نذكر بها أنفسنا ، والخيرين الذين يتلقفون هذه الأخبار ويبشرون بها غيرهم بنيات طيبة وقلوب سليمة ، ونعظ بها أولئك الذين اختلقوا هذه الإشاعات وتولوا ترويجها .
(1) أن علينا أن نكون يقظين في تلقي هذه الأخبار ، وألا يشفع لقبولها ملاقاتها لرغباتنا وأمانينا، فلنا منهجية في التثبت ينبغي أن تكون مطردة فيما نحب ونكره، فليس صحيحًا أن نشكك في الخبر المصور من أرض المعركة ، ونثير تساؤلات الشك والريبة حوله مع أن منتهاه الحسّ، في حين ينشر خبر عبر رسائل الجوالات مصدره بعض مواقع الإنترنت ، وإذا كان هناك من يتقبل مثل هذه الأخبار، فليعلم أن الناس لن يصدقوه ، فليحذر أن يجعل نفسه عرضة للتكذيب، وقديما قيل"من تتبع غرائب الأخبار كُذِّب".
(2) علينا أن نَحْذر من جهالة المصدر ، وليس خبر أهم من أخبار السنة النبوية ومع ذلك فليس من منهج المسلمين قبولها من المجاهيل ، ولذا فلا بد من تلقي الأخبار من مصدر موثوق ، فإن لم يكن موثوقًا فلا أقل من أن يكون معلومًا ، بحيث ينال شرف الصدق ، وتلحقه معرة الكذب ( وبئس مطية الرجل زعموا ) .
(3) إذا كان هناك من استجازوا اختلاق هذه الإشاعات بأنواع التأولات فإن علينا أن نرفض جعل أنفسنا رواحل لنقلها ، نُصَدَّقها ثم نُسَوِّقها، (فمن حدث بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين) .
(4) مما يتأوله هؤلاء الذين يختلقون تلك الإشاعات أنها من الكذب في الحرب وهو مباح، ويتجاهلون ولا يجهلون أن القدر المباح من الكذب في الحرب هو الذي يضلل الأعداء وليس الذي يُسَوَّق الوهم ويُغَرِر بالمسلمين .