فهرس الكتاب

الصفحة 27006 من 27345

ويؤثرون على أنفسهم

إنَّ الحمدَ للهِ، نحمدُهُ، ونستعينُهُ ونستغفرُهُ، ونعوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أنفسِنا وسيئاتِ أعمالِنا، مَنْ يهدِهِ اللهُ فهوَ المهتدِ، ومَنْ يُضلِلْ فلا هادِيَ له، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلاّ اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمداً عبدُهُ ورسولُهُ { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ } { آل عمران:102 } .

أمَّا بعدُ:

فأوصِيكمْ - عِبادَ اللهِ - ونفسِي بتقوَى اللهِ تعالَى، فإنَّها خيرُ زادٍ ليومِ المعادِ.

معاشرَ المؤمنينَ الكرامِ:

ما أعظمَ أنْ يُحِبَّ المرءُ لأخيهِ ما يُحِبُّ لِنفسِهِ، وما أجملَ أنْ يشارِكَهُ في أحوالِهِ، كلِّها، فيحزنُ لحزْنِهِ وإذا سُرَّ يُسَرُّ، و يواسيهِ بمالِهِ إذا قلَّتْ ذاتُ يدِهِ وافتقرَ، ولكنَّ الأعظمَ مِنْ ذلِكَ أنْ يُؤثِرَ الإنسانُ غيرَهُ بالشيءِ وهوَ أحوجُ ما يكونُ إليهِ، وأنْ يبذلَ له مِنْ مالِهِ ووقتِهِ وجُهْدِهِ ما لا يبذلُهُ لنفسِهِ التي بَيْنَ جَنْبَيْهِ، ابتغاءَ مرضاةِ المولىَ الكريمِ سبحانَه وتعالَى؛ فيجوعُ لِيشبعَ أخوهُ، ويظمأُ لِيَرْوَى، ويسدُّ خَلَّتَهُ وحاجتَهُ ولَوْ بَقِيَ طاوِياً محتاجاً، فَهَذا - واللهِ- ذوحَظٍّ عظيمٍ، وخُلُقٍ كريمٍ، فلا أحدَ أكرمُ مِنْه في دنيا الناسِ ولا أسمَى، وله في مَراتِبِ الإيمانِ باللهِ تعالىَ المرتبةُ العُظْمَى، كما قالَ عليُّ بنُ أبي طالبٍ - رضي الله عنه: الإيثارُ أعلَى مراتِبِ الإيمانِ.

عِبادَ اللهِ:

لَقدْ سجَّلَ التاريخُ أروعَ الأمثلَةِ، وأصدَقَ الشواهِدِ، وأخلَصَ الِعبَرِ مِنْ حياةِ الرعيلِ الأوَّلِ مِنْ سَلَفِنا الصالحِ رضوانُ اللهِ عليهمْ، الذينَ زيَّنوا صفَحاتِهِ بأوسِمَةِ الحُبِّ والإيثارِ، وقلَّدوا عُنقَهُ بقلائِدِ العزِّ والفَخارِ، وصاغوا علَى جَبينِهِ الأغرِّ صفحاتٍ مِلْؤُها الأُخوَّةُ الصادِقةُ والمحبَّةُ الفائِقَةُ، فإنَّ الدنيا لم تَرَ إيثاراً ارتفَعَ عَنِ الشهوةِ، ولا حُبّاً تعالَى عَنِ المنفعةِ؛ كالإيثارِ الذي عاشَهُ المؤمنونَ، والحبِّ الذي تبادَلَهُ المسلمونَ، فَهاهُمْ أُولاءِ المهاجرونَ الأولونَ يخرجونَ مِنْ دِيَارِهِمْ وأموالهِمْ يبتغونَ فضلاً مِنَ اللهِ ورِضْواناً، وينصرونَ اللهَ ورسولَهُ، فيستبشرُ إخوانهُمُ الأنصارُ بقدومِهمْ ويستقبلونهَمْ بِلهفةٍ عارِمَةٍ ومحبَّة صادقَةٍ بلغَتْ حَدَّ التنافُسِ بينَهُمْ في نَيْلِ شرَفِ استضافَةِ إخوتِهِمْ في الدِّينِ، ورفقاءِ خاتَمِ الأنبياءِ وإمامِ المرسلينَ.

عبادَ اللهِ:

لقَدْ آخَى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بينَ المهاجرينَ والأنصارِ أُخوةً قامَتْ ـ ولأوَّلِ مَرَّةِ في تاريخِ العربِ ـ مقامَ أُخوَّةِ الدمِ والنسبِ، قامَ الحبُّ والإيثارُ فيهم مقامَ العصبيَّةِ القبليَّةِ والحَمِيَّةِ الجاهِليَّةِ، فذابَتْ عصبيَّاتُ الجاهليَّةِ، وسقطَتْ فوارِقُ اللونِ والدمِ والوطنِ، ولمْ يبقَ إلا حميَّةُ الإسلامِ { وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } { الأنفال: 63 } ومِمَّنْ آخَى بينَهمُ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ وسعدُ بنُ الربيعِ رضِيَ اللهُ عنهما فقالَ سعدُ بنُ الربيعِ لعبدِ الرحمنِ: إنِّي أكثرُ الأنصارِ مالاً فاقْسِمْ مالِي نِصْفينِ، ولِيَ امرأتانِ فانظرْ أعجبَهُما إليكَ فسمِّها لِي أُطلِّقْها، فإذا انقضَتْ عدَّتُها فتزوجْها، فقالَ عبدُ الرحمنِ: باركَ اللهُ لَكَ في أهلِكَ ومالِكَ، دُلُّونِي علَى السوقِ. [أخرجَهُ البخاريُّ ومسلمٌ] . ولقَدْ صدَقَ فيهم قولُ الشاعِرِ:

وَرِثُوا المكارِمَ كابِراً عَنْ كابرٍ إِنَّ الخِيارَ هُمُ بَنُو الأخيارِ

وما سائِرُ مَنْ آخَى بينَهمُ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - مِنَ المهاجرِينَ والأنصارِ إلاَّ مِثْلُهُم، فقَدْ عرضُوا علَى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -أنْ يقسِمَ النخلَ بينَهْم وبَيْنَ إخوانِهمُ المهاجرينَ.

معاشِرَ المؤمنينَ:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت