جمال سلطان 2/8/1425
جمعتني بهم جلسة ود وحوار فكري لا يخلو من مجاملة كما لم يخل من صرامة، هم بعض الشباب الإسلامي لهم تصور سياسي للدور المستقبلي للحركة الإسلاميّة في عالم اليوم، الحوار في مبتدئه ومنتهاه كان متمحورًا حول قضية الخلافة، حيث تشغل هذه القضية المساحة الأوسع من هموم وخيالات هذا الفريق من الشباب، شاركتهم الشوق النفسي والفكري للخلافة وأيام عزّها وعزّ الإسلام والمسلمين ومجدهم، ولكني طرحت عليهم بعضًا من التساؤلات المستجدة حول المسألة، فما هي صيغة الخلافة الإسلاميّة التي يبحثون عنها في عالم اليوم؟ وما هي الطريقة الشرعيّة والعمليّة لتنصيب الخليفة؟ وكيف نجمع الدول والإمارات والممالك على قلب رجل واحد؟ ثم هل الخلافة ستصبح رجلًا واحدًا أم مؤسسة؟ وكيف يمكن أن ندير الخلاف السياسي أو المعارضة السياسيّة داخل دولة الخلافة؟ وما هي الضمانات المؤسسيّة التي تحمي استقلاليّة القضاء وكذلك المؤسسات الرقابيّة كالبرلمانات بصيغتها المعاصرة وهي التي تمثل ـ أساسًا ـ رقابة الأمة على السلطة التنفيذيّة، بحيث نضمن محاصرة الفساد وضمان الحقوق والإدارة الصالحة؟ ثم كيف نحقق تداول السلطة في دولة الخلافة بصورة آمنة وسلمية؟ ثم ما هي الصيغة العصريّة لأهل الحل والعقد؟ ومن يختارهم؟ ثم ما هو الدور السياسي لدولة الخلافة في العلاقات الدولية اليوم؟ وأسئلة كثيرة من هذه الشاكلة لم أعد أذكرها، وقد لاحظت أنّ أصحاب الجلسة لا تكتمل في أذهانهم صورة واضحة عن هذه التساؤلات، بل إنّهم خلال الجلسة انقسموا إلى ثلاثة أقسام تقريبًا في تنوع وجهات النظر في الجواب على التساؤلات، ورغم تقديري لإخلاصهم الشديد لذكرى الخلافة وحماسهم لعودة المجد السياسيّ للأمة المسلمة، إلا أني خرجت من الحوار بانطباع حزين على تشوش صورة المستقبل وغياب"ميناء الوصول"كما قلت في المقدمة السابقة.
على الجانب المقابل لما سبق كان الأمر مذهلًا لي عندما أطلعني بعض الأصدقاء على جدل وخلاف إسلامي / إسلامي حول قضيّة ما يسمى"فقه الواقع"وهو تعبير لطيف قصد منه أصحابه التعبير عن أهميّة رصد الواقع المعاصر ودراسته ومتابعة تطوراته لكي يمكن التعامل معه بكفاءة وفاعليّة، وهو خطاب بديهي، وإذا ذكر في جلسة أو محاضرة فإنّ السامع لا يتوقّف أمامه كثيرًا ولا قليلًا لأنّه تحصيل حاصل، بيد أنّ الأمر عند الإسلاميّين لم يكن كذلك بل كان"مقصلة فكريّة"كُتبت فيها مقالات، وظهرت فيها أشرطة تسجيل، ودُوّنت فيها كتب بكاملها معظمها لكي ينفي هذا"الابتداع"الجديد المسمى"فقه الواقع"، والتحذير من هذه الفتنة التي ستحول الشباب من قراءة كتاب الله، وسنّة نبيّه الكريم إلى قراءة الصحف والاستماع إلى الإذاعات. لم أكن أصدق هذا الذي عُرض عليّ ثم تابعته بذهول بعد ذلك لمراقبة الخريطة الفكريّة للحالة الإسلاميّة، وأيقنت وقتها أنّ"الفراغ"والترف الفكريّ، والدعويّ، وغياب الإحساس بالمسؤوليّة، وفقدان أي صورة للمستقبل فضلًا عن العمل له هو المسؤول الأساس عن هذا الجدل العقيم والعجيب.