بقلم / د. عبد الحميد غانم
تعددت طرق تناول التفسير الموضوعي تعددًا ناسب مراحله وأدواره، ومكّن من رصد تطوره المنهجي حتى بلغ طور النضج والاستقرار على النحو الآتي:
تتبع الكلمة
يعد تتبع الكلمة أقدم طرق تناول التفسير الموضوعي المدون، وتتحدد ملامحه في تتبع كلمة قرآنية، بجمعها من الآيات بذاتها أو على صورة إحدى مشتقاتها، ثم الإحاطة بتفاسير هذه الآيات ومحاولة استنباط دلالات تلك الكلمة القرآنية من خلال استعمال القرآن لها دون أن ينبني على ذلك الاستنباط الدلالي هدايات أو توجيهات قرآنية معينة، وإنما تدور هذه الطريقة في إطار دلالة الكلمة في موضعها المفرد فحسب (1) .
ومعلوم أن كثيرًا من الكلمات قد اكتسب معاني شرعية لم تكن موجودة من قبل، مثل: الصلاة، الحج، الزكاة، الصوم، كما أن كلمات أخرى قد تحولت باستخدام القرآن لها إلى مصطلحات قرآنية ذات وجوه جديدة في الدلالة والاستعمال، مثل: الأمة، الصدقة، البر، الجهاد، الكتاب، المنافقون، أهل الكتاب، الصدّيق، الشفاعة، الكفر، الشيطان.
ولا شك أن من يتتبع تلك الكلمات في مظانها القرآنية سيخرج بمعالم جديدة لنظام قرآني متفرد في تناول الكلمة، وما يترتب على ذلك التناول من دلالات تبدو في مواضعها التي جاءت فيها دون الربط بينها في بقية المواضع.
ويعد مقاتل بن سليمان البلخي (ت 150 هـ) أول من بدأ هذا التناول في كتابه: (الأشباه والنظائر في القرآن الكريم) فأتى على الكلمات التي اتحدت في اللفظ واختلفت في الدلالة بحسب السياق القرآني، من ذلك تفسيره للطعام في القرآن على أربعة وجوه، وانظر إليه وهو يعالج هذا الفن التفسيري فيقول:
فوجه منها: الذي يأكله الناس كما في قوله ـ تعالى ـ: {الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ} [قريش: 4] .
ووجه منها: الذبائح، فذلك قوله ـ تعالى ـ: { وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ } [المائدة: 5] ، يعني: ذبائحهم.
ووجه: مليح السمك؛ فذلك قوله ـ تعالى ـ: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ} [المائدة: 96] ، يعني: مليح السمك.
ووجه: يعني شربوا؛ فذلك قوله ـ تعالى ـ: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا} [المائدة: 93] يعني: شربوا الخمر قبل التحريم، ومنه قوله ـ تعالى ـ: {وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإنَّهُ مِنِّي} [البقرة: 249] (2) .
وكتب يحيى بن سلام ت 200 هـ (التصاريف) ففسر القرآن بتتبع ما اشتبهت أسماؤه وتصرفت معانيه على طريقة مقاتل (3) .
وتابعهما الدامغاني ت 478 هـ في كتابه: (إصلاح الوجوه والنظائر) فقال تحت مادة [ خ ي ر ] ما يلي (4) : [خ ي ر ] تأتي على عدة أوجه: المال، الإيمان، الإسلام، أفضل، العافية، الأجر، الطعام، الظَفَر، الغنيمة.
فوجه منها: الخير بمعنى المال، ومنه قوله ـ سبحانه ـ في سورة البقرة: {إذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إن تَرَكَ خَيْرًا} [البقرة: 180] ، يعني مالًا. وقوله ـ تعالى ـ: {قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ } [البقرة: 215] . وكقوله ـ تعالى ـ: {وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ} [البقرة: 110] ، وقوله ـ تعالى ـ: {وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلأَنفُسِكُمْ } [البقرة: 272] . أي لا تنفقوا مالًا. وقوله ـ تعالى ـ: {وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إلَيْكُمْ} [البقرة: 272] . يعني: من مال، وقوله ـ تعالى ـ: { إنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي} [ص: 32] يعني: حب المال، وقوله ـ تعالى ـ: {فَكَاتِبُوهُمْ إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} [النور: 33] يعني: مالًا.
والثاني: الخير يعني الإيمان كقوله ـ تعالى ـ: {وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأَسْمَعَهُمْ} [الأنفال: 23] يعني لو علم إيمانًا، وقوله ـ تعالى ـ: {وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ اللهُ خَيْرًا} [هود: 31] يعني إيمانًا.
والثالث: الخير يعني الإسلام كما في قوله ـ تعالى ـ: {مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ} [البقرة: 105] يعني الإسلام، ونظيرها قوله ـ تعالى ـ: {مَنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ} [القلم: 12] يعني الإسلام؛ نزلت في الوليد بن المغيرة منع ابن أخيه أن يسلم.
والرابع: خير يعني أفضل، ومنها قوله ـ تعالى ـ: {وَقُل رَّبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ } [المؤمنون: 118] يعني أفضل الراحمين، قوله ـ تعالى ـ: {وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ} [يونس: 109] أي أفضل الحاكمين، ونحوه قوله ـ تعالى ـ: {أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ} [الزخرف: 52] يقول أفضل من هذا.