د. يوسف بن عبد الله الأحمد 22/11/1426
الحمد لله ، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد .
فقد واجهت كما واجه غيري من المشايخ وطلاب العلم كمًا هائلًا من أسئلة الناس عن حكم الاكتتاب في شركة"ينساب"، وهي ظاهرة طيبة تتزايد ولله الحمد مع نشر الوعي في المجتمع ، وهي دلالة على حرص الناس على البعد عما حرم الله ، وقد وجد الناس فراغًا واضحًا في الفتيا الجماعية، حتى بادر بعض المشايخ وفقهم الله بالفتيا الفردية المكتوبة ، أو الشفوية في القنوات الفضائية، فرأيت من المناسب أن أبعث حول هذا الموضوع بثلاث رسائل:
الأولى: رسالة عامة في بيان حكم الاكتتاب فيها .
والثانية: إلى طلاب العلم المهتمين بهذه المسائل .
والثالثة: إلى رئيس أعضاء مجلس إدارة شركة"ينساب".
أما الأولى: فبعد النظر في نشرة الإصدار لشركة ينبع الوطنية للبتروكيماويات"ينساب"الصادرة في 5/11/1426هـ، تبين أنها قائمة على النظام الرأسمالي الربوي، وأنها لم تلتزم بشرع الله تعالى في معاملاتها المالية، ويظهر ذلك من خلال الآتي:
أولًا: أعلنت"ينساب"عزمها على إيداعات ربوية في بنوك محلية، وأن النسبة الربوية مقدارها (4.85% ) ، ومقدار الإيداع الربوي بالريالات (5.556.657.000) والذي يمثل (98.58%) من مجموع رأس مال الشركة (5.625.000.000) ، وأن رأس المال يشمل أسهم المكتتبين المؤسسين وعموم الناس .
وقد صرحت الشركة بأنها بدأت مزاولة النشاط المالي لها بإيداع ما تحصل لها من أموال المؤسسين، وقد عاد إليها من الفوائد الربوية حتى صدور النشرة (4.375.000ريالًا) .
ثانيًا: التزمت"ينساب"بفائدة ربوية لشركة سابك مقدارها (10.000.000ريال ) مقابل قرض مالي مقداره
(1.208.510.000ريال ) .
ثالثًا: حصلت سابك لصالح"ينساب"التزامًا خطيًا من أحد البنوك الربوية العالمية ABN AMRO على قرض ربوي صرف قيمته (13.125.000.000) ثلاثة عشر مليارًا، ومائة وخمس وعشرون مليون ريال سعودي .
ثم ذكرت النشرة بأن البنك - وليس الشركة - يقوم الآن بالتفاوض مع المصارف الدولية والإقليمية والمحلية لتقديم قروض تجارية وإسلامية عادية للمشروع .
وهذا يعني أن البنك سيحصل هذه القروض مع من سيتم الاتفاق معه، ثم سيقرضها البنكُ للشركة بفائدة ربوية، وعليه فإن البنك لو حصَّل بعض التمويل بالمرابحة الإسلامية فإنه سيقرضها للشركة"ينساب"بقرض ربوي .
وبناءً على ما سبق؛ فإن الاكتتاب في شركة ينساب محرم شرعًا.
ووجه التحريم: أن المكتتب شريك معهم، ومفوض لهم في الإدارة المالية، وموافق على ما تضمنته نشرة الإصدار، الذي وقع العقد معهم بناءً عليها، ولا فرق في التحريم بين المكتتب والمساهم بعد التداول والمضارب .
والربا أعظم ذنب في الإسلام بعد الكفر بالله، وقتل النفس التي حرم الله، حتى لو كان يسيرًا، ومن تأمل النصوص الواردة في حرمة الربا أدرك عظم هذه الجريمة، ومن هذه النصوص:
قول الله تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ ) ) (البقرة 278، 279) .
وحديث جابر بن عبد الله- رضي الله عنه- قال: (( لعن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهديه. وقال: هم سواء ) )أخرجه مسلم .
وعن عبد الله بن حنظلة غسيل الملائكة- رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: (( درهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم أشد من ستة وثلاثين زنية ) )أخرجه أحمد بسند صحيح.
وعن عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه- عن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: (( الربا ثلاثة وسبعون بابًا أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه .. ) )أخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي. والحديث صحيح بمجموع شواهده .
وليس من المناسب بعد هذه النصوص تخفيف كلمة الربا عند الناس كتسمية الفوائد الربوية بالعوائد البنكية، وتسمية الشركات الربوية بالمختلطة، وتسمية البنوك الربوية بالتقليدية، والصواب أن تسمى الأمور بأسمائها الشرعية؛ فيقال بنك ربوي، وشركة مختلطة بالربا، ونحو ذلك، حتى لا يغرر الناس في دينهم .
الرسالة الثانية: إلى أهل العلم الذي أفتوا بالجواز أو المنع أو توقفوا .
إن الأيسر للناس، والأصلح لهم، والأرفق بهم، ما كان في شرع الله حتى لو كان الحكم بالتحريم، والعلماء إنما يبينون الحكم للناس وفق الكتاب والسنة، ولا يقدمون الرأي على النص، وكل مصلحة تعارض النص فهي ملغاة كما هو مقرر في علم الأصول .