فهرس الكتاب

الصفحة 19074 من 27345

أما عن واقع هذا الفشل فهو من البديهيات التي لا تحتاج إلى دليل ، ولو أراد بعض هواة الاستفتاءات أن يطرح على المصلين والمستمعين سؤالا حول هذا الموضوع ، لفاز بالإجماع ، وهو فشل يكفي في التنبيه عليه النجاح الساحق لأعلام الدعاة المحدثين الذين اقتحموا الساحة من غير هؤلاء الخريجين ، وهو فشل لم يعد مرضيا لغير الساعين إلى استكمال دمار الأزهر ، وهم كثيرون في أروقته وخارجها ، حتى العلمانيين الذين سعوا إلى ذلك منذ صدور قانون تطوير الأزهر عام 1961 إلى اليوم أصبحوا أخيرا في قلق من جراء هذا الفشل لأنه في تقديرهم ترك الساحة للمتطرفين من ناحية ، ووضع في أيديهم خريجين دعاة لا يحسنون تنفيذ التوجيهات العلمانية الصادرة إليهم من ناحية أخرى ، وهو فشل وصلت نتائجه السلبية إلى حد تجريم السكوت عليه وإن أقلق الكلام فيه بعض الراقدين على مكاتبهم منذ وقت طويل من المسئولين عن هذا الفشل في هذا المرفق أو ذاك

ويرجع هذا الفشل في أهم أسبابه إلى قانون تطوير الأزهر لعام 1961 الذي ذهب في اتجاه معاكس تماما لما كان الأزهر بحاجة إليه من تطوير ، ووضع البنية العلمانية الأساسية - منذ أربعين عاما - لاستكمال ما يراد اليوم في مناخ الضغوط الأمريكية ، ومن هنا - وبالرغم من العبث الذي جرى واستقرت بعض قوائمه - فإن الأزهر محتاج فعلا إلى تطوير من خلال حاجة ذاتية طال إهمالها ، ولقطع الطريق على أصابع الأمركة الغاشمة المتسللة إليه ، ولتضميد بعض جراحه من عبث العلمانية به منذ صدور ذلك القانون .

وهو تطوير ينطلق في رأيي من المسلمات الآتية

( 1) الحرص على الخروج من النفق الذي دخله الأزهر بقانون تطوير الأزهر لعام 1961 ، ثم بالتعديل الأخير الذي صدر في صيف عام 1998 ، وهو النفق الذي أدى وما يزال يؤدي إلى تسطيح الدراسات الأزهرية التقليدية ومن ثم أدى وما يزال يؤدي إلى تفريخ ما يسمى التطرف ، لا كما قد كان واردا في اعتبار البعض ، عند تأييد هذا التعديل . وذلك لأن الأزهر بتعمقه التقليدي في الدراسة الإسلامية وعلى مستوى الثانوية نفسها يربي عقلية التسامح والتفتح الذهني وقبول الرأي الآخر في الدراسات القرآنية والحديثية والفقهية والعقدية واللغوية أيضا ، ذلك التسامح والتفتح الذهني الذي عبرت عنه الجملة المشهورة عن الدراسة في الأزهر ( المسألة فيها قولان ) والذي صنع ما كنا نشهد به جميعا من كون الأزهر عامل طرد للاتجاهات المتطرفة في داخله وخارجه ، أما الاختصارات والحذف الذي يتوالى على مناهج الأزهر منذ صدور القانون وحتى الخطوة الأخيرة في تعديله والذي ينصب بالضرورة على حذف التوسع في عرض الرأي والرأي المخالف ، والاقتصار في المناهج الإعدادية والثانوية على رأي واحد ، أو مذهب واحد ، أو حزمة ملفقة من الآراء ، فإنه يسهم في محو قابلية التعدد في ذهن الطالب بالثانوي وهو يتشكل في مرحلة المراهقة

إن إلغاء دراسة الخلافات بتوسع في هذه المرحلة - وخصوصا إذا لم يواصل الطالب دراسته الإسلامية بعد ذلك بانقطاعه عن الدراسة الجامعية أو بانتسابه للكليات الحديثة - سوف يؤدي إلى إلغاء هذه الخلافات في الدراسة الموضوعية العلمية الهادئة المتسامحة ولكنه سوف يؤدي إلى إحيائها متشنجة متوترة في مضطرب الحياة . , أو بانتسابه إلى الكليات أإنه سيؤدي فيما يؤدي إليه من تسطيح الدراسة في الأزهر إلى خلق فراغ يمرح فيه من سيزعم آنذاك أنه أكثر تخصصا في الدراسات الإسلامية سواء من الجماعات الإسلامية الأهلية ، أو من المذاهب المتهمة بالتطرف من حيث تحتكر لنفسها الانتماء إلى الإسلام .

ولقد سبق لي أن ذكرت في ورقة عمل ألقيتها في مؤتمر الشرطة لمقاومة التطرف في عام 1987 بحضور الوزير الأسبق المرحوم اللواء زكي بدر أن مقاومة التطرف إنما تكون بدعم الأزهر ومدرسته الناجحة تاريخيا في هذا الاتجاه ، ولكننا نقول هنا إن تدعيم الأزهر لا يكون بتسطيح الدراسة فيه ، الأمر الذي سيؤدي إلى نتائج فادحة الخطر ليست في مصلحة أحد .

(2) الحرص على توسعة القاعدة التي تبنى عليها الدراسة الإسلامية بالأزهر لا تضييق نطاقها كما يتصور البعض صلاحية ذلك كرد فعل على هذا التعديل ، مع احترامي التام لكل من أسهم برأيه في هذا الموضوع ، وأقصد هنا بالتحديد اقتراحين تم الكتابة عنهما منذ وقت ، الأول جاء بتخصيص شهادة ثانوية يصدرها الأزهر باسم ( الثانوية الأدبية ) ، والثاني جاء بالتفرقة بين جامعتين أو فرعين داخل الأزهر إحداهما إسلامية والأخرى علمية ، وكلا الاقتراحين يؤدي في نهاية الأمر - في رأيي - إلى تقليص أعداد الطلاب ، ومن ثم حصره في معهد صغير لا يفي باحتياجات الدعوة الإسلامية على النطاق الأزهري المطلوب ، ويتيح النبت لتيارات غير مأمونة ، ويساعد الاتجاهات العلمانية بعيدة المدى .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت