د. محمد عمر دولة*
"ويلٌ للناسِ من الألفاظِ؛كم تخدعهم عن الحقيقة؟!"كلمةٌ جليلةٌ.. قالها الشيخ محمد قطب [1] مُفعَمَة [2] بفقه الإخلاص ودلالات المعركة الإنسانيّة بين المظاهر والجواهر؛ ولكنّنا لم نَدْرِِ مغزى هذه الكلمة المباركة حتى الآن.
ومعلومٌ بداهةً أنّ الصداقة تقوم على أساس المحبّة والتناسُب بين الناس؛ فليس من أحدٍ من العالمين إلا وله صديقٌ، صالحًا كان أو طالحًا؛ وذلك تَبَعًا لكون الإنسانِ مدنيًّا بطبعِهِ كما قال ابنُ خلدون رحمه الله.
فكلّما تشاكلت القلوبُ والأرواحُ تصادقت الأبدانُ والأشباح! وما ذلك إلا لأنّ"المحبّة والإرادة أصلُ كلّ فعلٍ ومبداه؛ فلا يكون الفعل إلا عن محبّةٍ وإرادةٍ". [3] وقد صرّح النبي صلى الله عليه وسلم بهذا المعنى في حديث مسلم الذي علّقه البخاري: (الأرواح جندٌ مُجنَّدةٌ فما تعارف منها ائتلف وما تنافر منها اختلف) . قال البيهقي:"سألتُ أبا عبد الله الحافظ عن معناه؛ فقال: المؤمن والكافر لا يسكن قلبُهُ إلا إلى شكلِهِ"! [4] ولله درُّ ابن القيِّم حيث قال:"أنتَ إذا تأمّلتَ الوجودَ لا تكاد تجد اثنين يتحابّان؛ إلا وبينهما مُشاكَلةٌ أو اتفاقٌ في فعلٍ أو حالٍ أو مقصدٍ؛ فإذا تباينت المقاصدُ والأفعالُ والطرائقُ لم يكن هناك إلا النَّفْرة والبُعد بين القلوب"! [5]
وقد بيّن القرآنُ حقيقةَ المناسبةِ بين أهل الصلاح من ناحيةٍ وأهل الفساد من ناحيةٍ أخرى، كما في قول الله عزّ وجل: (وكذلك جعلنا لكلّ نبيٍّ عدوًّا شياطين الإنس والجنّ يُوحي بعضُهم إلى بعضٍ زُخرفَ القول غُرورًا) ، [6] (وإنّ الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم) ، [7] وقوله تبارك وتعالى: (وقيّضنا لهم قرناء فزيَّنوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم وحقَّ عليهم القولُ في أممٍ قد خلتْ من قبلِهم من الجنّ والإنس إنهم كانوا خاسرين) ، [8] (ومن يَعْشُ عن ذِكْرِ الرحمنِ نُقيِّضْ له شيطانًا فهو له قرين) ، [9] (وكذلك نُولِّي بعضَ الظالمين بعضًا بما كانوا يكسبُون) ! [10]
وما ألطفَ التعبيرَ القرآنيَّ بالصورةِ الحسِّيَّة والقصصيّة [11] عن النجاةِ من الهلاكِ بسبب اتخاذِ قُرَناءِ السُّوءِ: (قال قائلٌ منهم إنِّي كان لي قرينٌ يقول أئنّك لمن المصدِّقين أئذا متنا وكنّا ترابًا وعظامًا أئنّا لمدينون قال هلْ أنتمْ مُطَّلِعُون فاطَّلَع فرآه في سواء الجحيم قال تاللهِ إن كِدتَ لَتُرْدِين ولولا نعمةُ ربِّي لكنتُ من المُحضَرين) . [12]
ولله درُّ المتنبي حيث قال:
وهذا يُذكِّرنا بقول الله عزّ وجل: (أم حَسِبَ الذين في قُلُوبِهم مَرَضٌ أن لن يُخرِجَ اللهُ أضغانَهم ولو شئنا لأريناكَهُمْ فلَعَرَفْتَهم بِسِيماهُمْ ولَتَعْرِفَنَّهم في لَحْنِ القَوْلِ) . [13]
ولله درُّ ابنُ الطُّفَيْل ما أحسنَ قولَه:
والصداقة ـ لعمري ـ إما منحةٌ من الله تعالى أو مِحْنةٌ؛ وتأمَّلْ هذا المعنى في الصحبة بين أعظم أجيال هذه الأمة! (محمّدٌ رسولُ الله والذين معه أشدّاءُ على الكفار رحماءُ بينَهم) ، [14] وكيف كان أبو طلحة يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: (نَحْرِي دون نَحْرِك) ؟! [15] وتدبَّرْ ذلك في المشركين الذين قال القرآنُ فيهم: (بأسُهم بينهم شديدٌ تحسبهم جميعًا وقلوبُهم شتَّى ذلك بأنهم قومٌ لا يعقلُون) . [16]
ومن عظمة شأن الصداقة الصالحة أنّ الله عزّ وجلّ قد جعل من أسباب حلاوة الإيمان (أن يُحِبَّ المرء؛ لا يُحبُّه إلا لله) . [17] وقال تعالى: (الأخِلاء يومئذٍ بعضهم لبعضٍ عدوٌّ إلا المتقين) ! [18] وشتانَ بين من يقولون: (ربَّنا اغفرْ لنا ولإخوانِنا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعلْ في قلوبِنا غِلًا للذين آمنوا) ، [19] وبين من يتخاصمون في الدنيا ثم في نار جهنّم (كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها) ! [20] (هذا فوجٌ مُقتحمٌ معكم لا مرحبًا بهم إنهم صالو النار قالوا بل أنتم لا مرحبًا بكم أنتم قدَّمْتُمُوهُ لنا فبئسَ القرار) ، [21] (إنّ ذلك لحقٌّ تخاصمُ أهلِ النار) ! [22]
وليت شعري هل أَمَرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن يُخبرُ أحدُنا من أحبَّه من إخوانِهِ بأنه يُحِبُّه في الله؛ إلا لتحصيل الثمار الاجتماعيّة للصداقة؟! وقد نقل القرطبي عن بعض السلف قوله:"عليكم بالإخوان؛ فإنهم عُدَّةُ الدنيا وعُدَّةُ الآخرة؛ ألا تسمع إلى قول أهل النار: (فما لنا من شافعين ولا صديقٍ حميم) [23] ". [24] وحكى ابن كثير عن قتادة قوله:"يعلمون ـ واللهِ ـ أنّ الصديق إذا كان صالحًا؛ نفع، وأنّ الحميمَ إذا كان صالحًا؛ شفع!" [25] وقال الشيخ ابن عاشور في تفسير قول الله تعالى: (أو ما ملكتم مفاتحَه أو صديقكم) [26] :"سُئل بعضُ الحكماء: أيُّ الرجلين أحبُّ إليك: أخوك أم صديقك؟ فقال: إنما أُحِبُّ أخي؛ إذا كان صديقي!" [27]
1)الصداقة اصطفاء: