فالصَّداقةُ عند أُولِي الألباب انتقاءٌ للكرام؛ إذ (الناسُ كإبلٍ مائة لا تكاد تجد فيها راحلة) . [28] وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم كذلك: (تجدون الناسَ معادن ... وتجدون شرَّ الناسِ ذا الوجهَيْن الذي يأتي هؤلاء بوجهٍ، وهؤلاء بوجهٍ) ! [29]
وفي مثل هذا قال ابن الأعرابي:
وقال أبو الفتح البستي:
ولكنَّ منهجَ الاصطفاء الذي يقوم على التحرِّي والتثبُّت والتروِّي في اتخاذ الأصحاب؛ قد يُغالي فيه بعضُ الناس؛ فيحملهم في بعض الأحيان على اجتناب مخالطة الناس، وإساءة الظنِّ بهم جميعًا، وذمِّ الصداقة مُطلَقًا؛ بعد نَفْضِ أيديهِمْ من الأصدقاء، كما قال أبو الفتح البستي:
وما ينبغي أن تُشادَ الصداقاتُ على أساس المنظرِ الحسن، ولا أن يُجتنب الرجلُ ذو الثوب الخشن، كما قال المعري:
وكثيرًا ما تؤول صداقاتُ المظاهر الكاذبة إلى تباغُضٍ وتنافر؛ لفقدان المشاكلة النفسيّة والموافقة الفِكريّة؛ ومن هذا الباب قولُ بعضِهم:
2)أسس الصداقة:
ولا ريبَ أنّ (الصداقة) قيمةٌ نادرةٌ لا تتحقق ثمراتُها الاجتماعيّة إلا بوجود صفاتٍ وضوابط، تكون بمثابة الأسس العلميّة التي تقوم عليها هذه الصداقة؛ وهذا ما جعل العرب يقولون: (ثلاثة ليس لهنّ وجودُ: الغول والعنقاءُ والخلّ الودودُ!) ؛ وقد نقل القرطبي لطيفةً عن العلامة الزمخشري في تفسير قول الله عزّ وجل: (فما لنا من شافعين ولا صديقٍ حَمِيمٍ) حيث قال:"جَمَعَ الشافعَ؛ لكثرة الشافعين، ووَحَّدَ الصَّدِيقَ لقِلَّتِهِ! ألا ترى أنّ الرجل إذا امْتُحِنَ بإرهاقِ ظالمٍ؛ مضتْ جماعةٌ وافرةٌ من أهلِ بلدِهِ لشفاعتِه رحمةً له وحِسْبةً وإن لم تسبقْ له بأكثرِهم معرفةٌ؛ وأما الصديقُ فهو الصادقُ في وِدادِك الذي يهمُّهُ ما يُهِمُّكَ؛ فأعزُّ من بيض الأنوق، وعن بعض الحكماء: أنّه سئل عن الصديق؟ فقال: اسمٌ لا معنى له!" [30]
وقد ذكر عبد القاهر البغدادي في (دلائل الإعجاز) في معرض كلامه عن السياق البلاغي للتعجيز أنّ نديمًا لأحد الخلفاء أنشده قولَ بعضهم:
فقال له الخليفة: ائتني بهذا الصاحب؛ وخُذِ الخلافة!
3)الصديق الصدوق:
فالصديق الصدوق أغلى من كنوز الدنيا لو وُجِدَ، كما قال عبد العزيز الأبرش:
وما أحسنَ ما قيل:
وكلُّ ما جاء من الحثِّ على الإكثار من الأصحاب، فيُراد به هذا المعنى، كما قال مهدي بن سابق:
وقد قال محمد بن عمران الضبِّي:
فينبغي أن يُراعَى في الصديق أن يكون كريمَ الأخلاق، مُهَذَّبَ الخصال، تَلُوحُ على مرآةِ وجهِهِ أنوارُ قلبِهِ، كما قال أبو الفتح البُستي:
4)صداقة الأوفياء:
وأما الوفاء، فهو أعظمُ خصالِ الصَّديق؛ وهو أغلى من الدنيا وما فيها! وفي مثل هذا الصّاحب يقول الفرزدق:
وما أحسنَ وأصدقَ ما قال أوس بن حجر في الوفاء:
5)صداقة السفهاء:
وأما الذين يستحيِي المرءُ أن يراهم الناسُ في صحبتِه من الفُسّاق والمنافقين؛ فهؤلاء عيبٌ على العبد الصالح أن يتّخذهم أصحابًا، كما قال الله عزّ وجلّ: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانةً من دونكم لا يألونكم خبالا) ، [31] وقال تعالى: (لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خلالَكم يبغونكم الفتنة) ، [32] وقال ابن وكيع:
وقال عبد القدوس:
وقال ابن الرومي:
وإذا كان الله تبارك وتعالى لم يرضَ لنا أن نقعدَ في مجالسِ السفهاء؛ لكونها لا تخلو من الاستهزاءِ بشعائرِ الدِّين أو شرائعِهِ أو ثقافتِهِ؛ فكيف بمن يتخذ السفهاءَ أصفياءَه وأصدقاءه؟! ومن تدبَّرَ قولَ الله تعالى: (قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتِهم خاشعون والذين هم عن اللَّغْوِ مُعرِضُون) ، [33] وقولَه جل جلاله: (وإذا مرُّوا باللَّغْوِ مرُّوا كرامًا) . [34] ولله درُّ من قال:
وقد حكى ابنُ القيِّم أنه"ذُكِرَ لبُقراط رجلٌ من أهلِ النقص يُحبُّهُ؛ فاغتمَّ لذلك، وقال: ما أحبَّني إلا وقد وافقتُهُ في بعض أخلاقِهِ!" [35] وإنّ الرجل الفاضل ما إن يتردَّدُ عليه بعضُ المناحِيس ـ كما هو مُشاهدٌ ـ حتى يدخُلَ عليه من سُوء أخلاقِهم ما اللهُ به عليمٌ؛ حتى إنه لا يفطِن إلى تغيُّر أخلاقِهِ وطِباعِهِ إلا إذا عاد إلى مصاحبة أهل الفضل!
6)صداقة المُخادِعِين وأهل الغدر:
ومن شروط الصداقة الناجحة: التزامُ الوضوحِ والصّراحةِ المتبادلة؛ ولا شكّ أنّ من أسوءِ الأصدقاءِ مُعاشَرَةً أهلُ التلبيس والتدليس؛ الذين أُشْرِبَتْ قلوبُهم المكرَ والخِداع؛ فهم على الدّوام يتلوّنون ويمكرون ويتربَّصُون بصاحبِهم الدوائر؛ فيُظهِرون الخيرَ وتغلب قلوبُهم على ألسنتِهم في إبداء الشرَّ! (قد بدت البغضاءُ من أفواهِهم وما تُخْفِي صدورُهم أكبر) ، [36] فهؤلاء لا علاجَ لهم إلا عتقِ الرِّقابِ من صُحبتِهم؛ وما أحسنَ ما قال المثقب العبدي:
فاستعِذْ بالله العظيم ربِّ العرشِ الكريمِ من صديقٍ (عَدُوٍّ) لا يحفظ الودَّ ولا يذكر العهد! ولله درُّ المتنبي حيث قال: