وإذا كان الله عزّ وجلّ قد حذَّرَنا من أزواجِنا وأولادِنا، وقال جل جلالُه: (إنّ من أزواجكم وأولادِكم عدوًّا لكم فاحذروهم) ، [38] وقال لنوحٍ عليه السلام: (يا نوحُ إنه ليس من أهلِكَ إنه عَمَلٌ غيرُ صالحٍ) ؛ فكيف بربِّك يرضى العاقلُ بمصاحبة البعيد الطالح؟! كما قيل:
وقال عبد الله الجعفري:
ولا بدّ من التفريق بين أن يزلَّ الصديق الوفيُّ مرّةً؛ فتأتي مآثِرُهُ بمن يشفع! كما قيل:
وبين من شأنُه التقلُّب والمكرُ؛ فأخلاقُه * هل رأيتَ الذئبَ قط؟! * فهفوةُ الحبيب وإن كانتْ مؤلمةً ولكنّ الصاحبَ الصادقَ يتجاوز عنها، كما قيل:
وقال الطغرائي:
7)صداقة الأطماع:
ومن البلايا والرزايا أن يتعلّق بأذيال الصالحِين بعضُ الطامعين؛ لا يريدون من صداقتِهم إلا بلوغَ مآربِهِم وتحقيقَ مطامعِهِم؛ (فإن أُعْطُوا منها رَضُوا وإن لم يُعطَوْا منها إذا هم يسخطون) ! [39] كما قال صلاح عبد القدوس:
وما ينبغي للعاقلِ أن يُعلِّل نفسَه على اتخاذِ الدَّنيء صاحِبًا بوجود خصلةٍ فيه طيِّبة ما دام (يدعو لَمَن ضَرُّه أكبرُ من نفعِهِ لبئس المولى ولبئس العشير) ! [40] وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أي عائشة إنّ شرَّ الناسِ منزلةً عند الله من تَرَكَََه ـ أو وَدَعَهُ ـ الناسُ اتقاءَ فُحْشِهِ) ؛ ورحمَ اللهُ البخاريَّ حيث أخرج هذا الحديث في كتاب الأدب باب (المُداراة مع الناس) قال ابن حجر:"المرادُ به: الدَّفْعُ برِفقٍ" [41] وجعله ـ درّ درّهُ ـ متوسِّطًا بين بابين بديعَيْن: باب (الانبساط إلى الناس، وقال ابنُ مسعودٍ: خالِطِ الناسَ ودينَكَ لا تَكْلِمَنَّهُ) ، وباب (لا يُلْدَغُ المؤمنُ من جُحْرٍ واحِدٍ مرَّتَيْن، وقال معاوية: لا حكيمَ إلا ذو تجربة) ! [42]
وقلْ مثلَ ذلك في صداقة أهل الرِّيبة؛ ذلك أنّ الصاحب المُريب لا يصفو له ودٌّ أبدا! كما قال عبد الله بن معاوية الجعفري:
ولكنّ الماكرين من الأصدقاء لا يُفلحون، وما يحصِّلونه من المكاسب الدنيئة قلّما يتنعّمون بها ويهنؤون؛ بل ترى الواحدَ منهم مُعَذَّبًا متنغِّصًا في الدنيا قبل الآخرة (ويُسْقَى من ماءٍ صديدٍ يتجرَّعُهُ ولا يكادُ يُسيغُهُ) ؛ [43] إذ إنّ الله ينزع ممّا يحصِّلُهُ البركة، كما قال جل جلالُه: (إنّ الله لا يُصلِح عمل المُفسدين) ! [44] وليت شعري أين يذهبُ عنهم قولُ الله عز وجل: (ولا يحيق المكرُ السيِّءُ إلا بأهلِهِ) ؟! [45] وقولُه تعالى: (ومن الأعراب من يتخذ ما يُنفق مغرمًا ويتربّصُ بكم الدوائر عليهم دائرة السوء) ! [46] ورحم الله المعري حيث قال:
8)صداقة أهل المروءة:
وأما الصداقة الطيِّبة التي تؤتي أُكلَها كلَّ حينٍ؛ فهي التي تقومُ على المروءة، كما قال المعرِّي:
فلا بدّ للرجل الصالح من الوفاء للصَّديق، وإن قدمتْ صداقته؛ بل ذلك أدعى لحفظ وُدِّه، ولا شيء أقبح عند الحُرِّ من التقلُّب في هذا الباب، كما قال المعرِّي:
وقال قبيصة بن عامر:
9)الصداقة والأكدار:
ومعلومٌ أنَّ الصَّداقة ليست صَفْوًا على الدَّوام؛ فقد يعتريها من التكدير ما يعتريها، شأن الحياةِ الدنيا!
فمن الصيانةِ والإحسانِ تركُ العتاب للحبيب ما استطاع المرء؛ وكأنما عنى البخاري هذا المعنى حين ترجم (باب مَنْ لم يُواجِهِ الناسَ بالعِتاب) ! [47] وهذا من الحكمة البالغة؛ فإنّ الصديق الصَّدوقَ لا بُدَّ أن نصبرَ على زلاتِه ونتجاوزَ عن هفواتِهِ؛ لأنّ ذنوبَه مُغتفَرَةٌ في جَانِب أُخُوَّتِهِ الصادقة! ومن الإنصاف أن نستحضرَ عند الغضب من كرام الأصدقاء مواقفَهم المعهودة ومحاسنَهم المشهودة! كما ذَكَّرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم الصحابةَ حينما غضبوا من حاطب بن أبي بلتعة بأنه من (أهل بدرٍ) رضي الله عنهم جميعًا! فقد استحضر الصحابةُ لحظتَهم الحاضرةَ (بين يدي فتح مكّة) وعاد النبيُّ صلى الله عليه وسلم بقلبه الكبيرِ إلى الماضي البعيد ومجدِهِ التليد! (إلى وقعة بدرٍ الكبرى) ؛ وما أحسنَ قولَ الشاعر:
ولله درُّ النابغة الذبياني حيث قال:
ومن لك في زمانِ الفِتَن والمِحَن بأخٍ مُبارَكٍ شفوقٍ: يُذَكِّرُك إذا نسيتَ الرفيق؟ ويهديك إذا ضللتَ الطريق؟ وينصحك إذا زللتَ؛ فتصحو من غفلتك وتُفيق؟! كما قال عبد الله الجعفري:
ولكنّ بعض الناس لا يرضى من صاحبٍ له أن يقصِّر في حقِّه ـ لاسيما في بدايات الصداقات ـ فيكون ذلك سببًا في انصرام العلاقة بينهما، كما قال الشريف المرتضى:
وقال المرقش الأصغر:
10)صداقة العلماء والفضلاء:
وهذه صداقة الأصفياء الأنقياء؛ فهؤلاء لا صبرَ للعاقل على فراقهم، وهم أولى الناسِ بالمحبّة والإخاء، كما قال المؤمل المحاربي:
ولله در أبي فراس ما أعذبَ قولَه:
فلم تبق المحبّةُ الصادقةُ شيئًا من حظوظ النفس!
ومن لك بالحبيب اللبيب العاقل الرَّشيد الذي يخشى عليك الرَّدى، وينصح لك حاضرًا وغائبًا؟! كما قال المتنبي:
فاظْفُرْ بالكريمِ الحليم، واملأْ منه يديك؛ فهو خيرُ صاحبٍ في الكدر والصفاء، كما قال أسامة بن منقذ: