فهرس الكتاب

الصفحة 23618 من 27345

وليد بن خالد الرفاعي 11/7/1424

معرفة الرجال وتقييم الناس هبة ربانية يهبها الله لمن يشاء من أرباب الفراسة والنباهة، ومع أن هذا الصنف من الناس هو الأقل؛ إلا أن الناس كل الناس لا ينفكون في حياتهم اليومية عن إقامة علاقات ومعاملات مبنية على تقييم خاص لهم وللآخرين، وكلما كان التقييم أبعد عن الدقة؛ كلما ولجت على المرء منه مضائق وشدائد، وعلاقات وارتباطات، ربما كانت قاتلة في بعض الأحيان، ومع ذلك فإن للتقييم أصولًا من الممكن أن يتجنب الآخذ بها الكثير من الزلات في تقييمه.

ودقة التقييم حاجة ملحة سواء على المستوى الشخصي للإنسان أو على المستوى العام ، والدعوة إلى الله واحدة من هذه المجالات، والتي من الممكن أن يكون لدقة التقييم دور كبير في اختصار كثير من الوقت والمراحل، كما أن فوضوية التقييم كذلك قد تجر على العمل الدعوي آفات وتعطله عن مصالح؛ بل قد تضربه في الصميم، وكم تحفظ ذاكرة الدعوة من أسماء لم يكونوا على مستوى الدور الذي أنيط بهم، فما أحسنوا في العمل، كما أحسن المصطفون لهم بالظن، بل ربما أساؤوا وأفسدوا!.

وهذه بعض الآفات التي تعترض، وتعرض للكثير من المقيّمين بقصد أو بدون قصد:

1-الخلفية المسبقة للمقيَّم أو لقبيلته أو لعائلته أو بلدته:

والخطأ هنا يقع من جانبين: الأول منها؛ هو التعميم اللامنطقي في الأحكام بالسلب أو الإيجاب لمجرد انتماء الفرد لبلد أو عائلة، دون التدقيق في ذات الشخص، ومن ثم فإن البعض يلقي بهالة على ابن الدكتور أو الداعية أو الذكي أو الناجح ، وقد يكون ابن أي أحد من هؤلاء أفشل وأغبى ممن هم أقل منه في هذه المظاهر والانتماءات. والجانب الآخر في الخطأ؛ هو في تغافل اعتبار هذه المؤثرات ، والتعامل مع ذات الشخص تعاملًا مجردًا عن أي اتصال آخر، والحق أن هذا مخالف للواقعية؛ فتقييم شخص قروي يجيد اللغة الإنجليزية مثلًا لا يصح أن يماثل بقرينه ابن المدينة الذي هو وإياه على نفس المستوى من القدرة والذكاء، ولكنه ليس على نفس المستوى من الإمكانيات المتاحة. وكذلك الشأن في ابن المدرس وابن العامل، فالدلالات تشير أن أحدهما بذل من الجهد ما لم يبذله الآخر، وهكذا؛ فالأداء الذي يطلب من شخص، قد يرضى بنصفه من آخر، ليس لأن الآخر أقل منه قدرة، وإنما أقل منه فرصة وإمكانيات، ومن هنا نستطيع أن نقول إن التعويل التام على العلائق الخاصة بالفرد خطأ مماثل للتجاهل التام لهذه العلائق، وعلى التوازن قامت الدنيا.

2-إعاقة بعض العيوب الاجتماعية نحو النفاذ إلى حقيقة المقيم:

ذلك أن البعض قد يعاني من"فقر اجتماعي"إن صح التعبير، في جوانب معينة تعيق الآخرين عن النفاذ إلى حقيقة ما يملك من مواهب وملكات، فعلى سبيل المثال قد يتصف البعض بقدر عالٍ من ثقل الظل، أو التبذل المفرط في المظهر أو الحساسية المملة، أو ضعف إقامة العلاقات وعدم اللباقة في الحديث، أو الحدة في الطباع، أو ما شابه ذلك مما يعكس تقييمًا سلبيًا وسريعًا تجاهه لا يراعي جوانب التمييز؛ فيكون سببًا في عدم الخوض في ما وراء هذه المظاهر الغير مشجعة، وينسى أصحاب التقييم أنه من الممكن أن يوجد بعض الأكابر والعظماء في مجالاتهم، وهم متصفون بشئ من هذه الصفات؛ بل ربما بها مجتمعة.

3-التقييم من الموقف الواحد والرؤية الواحدة:

والمشكلة تكمن في أن الإنسان عاجز عن عدم تكوين تصور مباشر ولا إراديًا لمن يلتقي بهم، ولو من أول نظرة، ولكن المشكلة الأكبر تكمن في التعويل على هذا التقييم، والحكم من خلاله، فالذي يجب أن يستقر أن الانعكاس النفسي للأشخاص من أول لقاء شئ، والتعويل على هذا الانعكاس على أرض الواقع شئ آخر، هذا من جهة، ثم إنه من جانب آخر لا يخفى أن النفس قد تتعرض لفترات متباينة من العواطف والظروف مما يؤثر على سلوكها بالجملة؛ كالانقباض والانبساط والخجل والرهبة والحزن وغيرها، ومن ثم يصبح التقييم من الموقف الواحد أو حتى اللقاء الواحد عرضة للخطأ في عكس حقيقة الشخص المقيم، أضف أن هذا التبدل والانقلاب كما أنه مما يتعرض له المقيم (بالفتح) ؛فإن المقيم كذلك يتعرض لمثل ذلك، مما يؤئر عليه في الحكم على الأشخاص سلبًا أو إيجابًا.

4-الاغترار بالمكتسبات عن الحقائق والجواهر:

وتحميلها ما لاتحتمل من الدلالات من خلال الاستدال بها على أمور بعيدة لا يحتملها الفعل، وذلك لشيوع ارتباطات بين بعض الأمور ودلالتها من خلال العرف الاجتماعي السائد، وهو عرف مالم يكن مستندًا إلى مقاييس شرعية دقيقة؛ فإنه معرض للخطأ. فالبعض مثلًا قد اكتسب بعض الأمور التي لا يصح أن يتجاوز في النظر إليها دلالتها المباشرة عليها؛ فالذي إستطاع أن يحفظ القرآن مثلًا لا يعني أنه رجل صالح كما يتبادر للبعض؟ وإنما يعني أنه رجل يملك جلد على الحفظ، أما الصلاح فله مقاييس أخرى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت