والذي يتفوق على زملائه في الفصل لا يعني بالضرورة أنه أذكى منهم، وإنما يعني أنه صاحب همة، أو أن وراءه أبًا حازمًا، أو أن الملهيات عنده قليلة ومحصورة، نعم قد يعني أنه ليس بغبي، لكن لا يعني بالضرورة أنه ذكي!.
5-التأثير الخفي لقوة العلاقة أو ضعفها بين المقيِّم والمقيًّم:
وهذه كما أنها تكون بالمحاباة وهي الأكثر شهرة؛ فإنها تكون كذلك بالتجرد المفتعل والمبالغ فيه، وهو الأكثر خفاءً والذي قد يجر صاحبه إلى تقييم مختل من خلال هضم حقوق صاحبه المقيم، الذي قد يكون أخًا أو ابنًا أو قريبًا، والمشكلة تكمن في أن كلا الأمرين -التأثير بالإيجاب أو بالسلب- من الأمور الخفية على النفس، ولذا جاءت النصوص الشرعية بعدم قبول أو جواز هدايا العمال إبتداءً، كتدبير شرعي إبتدائي وقائي حكيم؛ ذلك أن الأمر كما قال المصطفى -عليه الصلاة والسلام-:"حبك الشئ يعمي ويصم".
وبالمقابل نستطيع أن نقيس فنقول:"بغضك الشئ يعمي ويصم أيضًا" (وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) [المائدة: من الآية8] "وكلمة الحق في الرضا والغضب".
6-الاعتماد الكلي على تقويم الآخرين:
ولقد ذكرنا لفظة الكلي ذلك أن الاسئناس بتقييم الآخرين مهم؛ وإلا كان في ذلك تبديد لعقولهم وخبراتهم، إلا أن المرفوض هو تعطيل النظر الشخصي نظرًا لوجود تقييمات (معلبة وجاهزة للتصدير والاستيراد دون أي فحص أو تحقق جمركي) . والمشكلة أن هذه التقييمات المسبقة قد تكون من الكثرة مما يشوش على أية نظرة مضادة لها، هذا من جهة، ومن جهة أخرى؛ أن بعض التقييمات ما هي إلا سلسلة منشؤها شخص واحد تابعه أو قلده مجموعة من الأناسي عليها، حتى أصبحت مسلّمة لا تقبل النقض أو النقد، وبذلك تصبح سلسلة مبدؤها ومردها حلقة واحدة .
7-التأثر بتقييم شخص من الأكابر أو الفضلاء:
ومنشأ هذا التأثر هو التقدير والاحترام في بعض الأحيان، أو التسليم المطلق في أحيان ثانية، أو المركزية والشخصية الساحرة والقوية في آن ثالث، والمشكلة التي تعاني منها الشعوب العربية والإسلامية أنها بقدر ماهي شعوب فوضوية في مواقفها في جانب، بقدر ما هي عاطفية في جانب آخر!. وعليه فإن عندها من الاستعداد أن تتأثر بتقييم أي رمز، دونما أن تعمل عقلها في ذلك التقييم.
وعندما تضع الأمة عقولها في أكف فضلائها وعلامائها فتأخذ عنهم دون تمييز؛ تكن قد ارتكبت خطأً في حق نفسها، وإن كانت ما تزال بخير، فكيف بها عندما تضع عقلها في أكف رموز غير مستأمنين على دينها وعقلها ومصلحتها؟!.
وعلى سبيل المثال؛ فإننا لو تتبعنا ما سطر عن إمام من الأئمة كشيخ الإسلام ابن تيمية أو محمد بن عبد الوهاب؛ تجد أن تأثر الشعوب كبير (سلبًا أو إيجابًا) بما يسطره رموز هذا القطر أو ذاك، بينما لا تجد عند الغالبية العظمى من هؤلاء المتحمسين بالسلب أو الإيجاب، أي تتبع وتصور دقيق بنى عليه نظرته، سوى أن الرمز الفلاني قال..! وعليه فقس. والذي يجب أن يستقر أن احترام العلماء والفضلاء شئ، ومراجعتهم في آرائهم والتي منها تقييماتهم للأفراد أو المؤلفات شئ آخر. إذ إن ذلك بعيد كل البعد عن أي مظهر من مظاهر التنقص أو الإزدراء، ويطول عجب الإنسان عندما يقرأ مراجعات عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- للمصطفى - صلى الله عليه وسلم- في شأن بعض الأفراد عندما أشكل عليه (ظاهرًا) تعامل وتقييم المصطفى مع ما تلقاه منه سابقًا -علمًا أن فعل المصطفى تشريع لأمته بحد ذاته-، لبعض الأفراد كحاطب بن أبي بلتعة -رضي الله عنه- أو المنافق عبد الله بن أبي، وهو هو عمر بن الخطاب خير الناس بعد الصديق -رضي الله عنهما وأرضاهما-.
8-تثبيت صورة التقييم وعدم تغييرها مع مرور الزمن:
إن من الأمور المستقرة في عرف الناس أن الإنسان قد يمر بظروف أو مراحل تقلب عليه شخصيته أو جوانب منها على أقل تقدير، والذين يثبتون حكمهم على الأشخاص لا يراعون هذه المسلّمة، وإن كنا ينبغي أن نشير إلى أن هذا التغيير ليس بالأمر البسيط والسريع؛ فالإنسان قد يحتاج إلى وقت مديد ليغير جبلة أو طبعًا اجتماعيًا قديمًا وموروثًا واحدًا؛ فكيف بالشخصية بالعموم، إلا أن الذي يحسن التنبه له أن بعض الصفات تتواجد وتتكاثر في مرحلة عمرية معينة قد تخلو منها مرحلة عمرية أخرى؛ كالطيش في المراهقة وعدم التؤدة مما يغلب سلامة الفرد منها بعد تجاوز تلك المرحلة وهكذا..
هذا من جانب، ومن جانب آخر؛ أن التغيير قد لايكون كليًا كما يظن البعض، بل تغييرًا جزئيًا وهذا هو الأغلب، وبقدر ما يكون التغيير في الصفات العميقة، بقدر ما يكون جذريًا وحاسمًا في تغيير صورة التقييم.