إنك كثيرًا ما تصاب بالإحباط عندما تلصق بفلان نظرة معينة؛ لأن آخر قد زامله على مقاعد الدراسة منذ عشر سنوات، وهو يقول فيه كذا وكذا، ومرة أخرى إلى صحابة رسول الله؛ فإذا بعمر يحاسب و يراجع كبار الصحابة على الدرهم والدينار ممن خشي عليهم عمر أن تكون نفوسهم قد تغيرت فترخصوا أو تساهلوا- حاشاهم - وهم هم الصحابة الذين لولا عدالتهم وثقة عمر بهم ما عينهم!.
9-التقييم التعميمي:
ونعني بالتقييم التعميمي ذلك التقييم الذي يعدل بالجملة أويجرح بالجملة، فليس عند أصحاب هذا التقييم نظرة وسطى، وعليه فإن أحكامهم تتجه دائمًا نحو الأطراف والتطرف، والحق أن التفصيل والتجزئ لأي شئ هو السبيل إلى فهمه أولًا، وإطلاق حكم سديد عليه ثانيًا، أما أخذ جانب من الصورة ثم تعميمها على الصورة كاملة؛ فهذا ما يعد خللًا في الحكم على الأمور، إن الخطيب الجيد والمفوه لا يعني أنه فقيه أو محدث أو حتى صاحب علم راسخ، والرجل المخلص فيما يبدو من حاله وصلاحه لا يعني أنه الأنسب في الريادة الدعوية والشرعية، هذا من جانب، ومن جانب آخر؛ فإن الكثير من الناس يعانون من جور هذه النظرة التعميمية والتي تصبغهم بلون واحد فقط، بينما لا تراعي القدرات الخاصة المتعلقة بالمقيم. إن كون فلان غبيًا لا يعني أنه عاجز عن عمل شئ ، كما أن كون فلان صاحب كبر أو غرور أو حتى بدعة؛ فإن هذا لا يعني أنه لا حسنات له وأنه عار من الفضائل. إن علماءنا الأجلاء ضربوا أمثلة مشرقة في دقة التقييم، وعدم الوقوع في الأحكام التعميمية، وطالع إن شئت ما سطره الذهبي أو ابن تيمية عن بعض المتصوفة أو المتلبسين ببعض الأفكار المخالفة، وكيف أنصفوهم وحكموا عليهم حكمًا عروا فيه جوانب الخلل، وألمحوا إلى مواطن الإحسان دون تعميم يفضي إلى تغليب جانب على حساب جانب آخر.
وينشأ التقييم التعميمي من عدة عوامل؛ قد يكون من بينها العقلية ذات البعد الواحد، أو الميل الطبيعي عند الناس إلى تبسيط الأمور وإطلاق التقييمات التعميمية التي تريحهم من عناء التفصيل والتدقيق، أوغير هذا وذاك.
10-التقييم المباشر عن طريق المقابلات:
لا عن طريق الملاحظة والتجريب. وحتى نكون بعيدين عن المثالية؛ فإننا لا نستطيع أن ننفي أنه قد لا يتيسر في بعض بل في كثير من الأحيان التقييم عن طريق الملاحظة والتجريب، فمقابلات الجامعات مثلًا لا تعتمد إلا على أسلوب المقابلات، وكذلك اختبارات القبول لكثير من المؤسسات والشركات وما شابهها، ولكن الذي يعنينا هنا أمور:
أولًا: إذا صح أن تعد هذه الوسيلة هي الأكثر عملية على نطاق المؤسسات المهنية؛ فإنها لا تصلح أن تكون كذلك في مجال التقييم الدعوي والتربوي، ذلك أن الشهادات والأوراق ليست هي لغة التقييم التربوي والدعوي كما هو في الأعمال الوظيفية المؤسسية.
ثانيًا: ينبغي أن نفرق بين أن تكون المقابلات الشخصية هي الوسيلة المتاحة، وبين أن يعول على هذه الوسيلة تعويلًا كاملًا، ذلك أنها جزمًا ليست وسيلة دقيقة أو الأدق على أقل تقدير.
ثالثًا: المقابلات الشخصية تعتمد في جزء كبير منها على الحذاقة والنباهة وحسن العرض والمنطق والحجة، وعلى هذا فإن بعض من يملكون صفات أفضل قد يفشلون لأنهم يملكون قدرات أقل فيما ذكرنا من الصفات الاجتماعية الظاهرة، ونلاحظ أن هذا المعنى نفسه قد أشار إليه المصطفى-صلى الله عليه وسلم- في باب التخاصم فقال:"إن الرجل ليأتيني وقد يكون ألحن حجة من صاحبه فأحكم له..."؛ فإذا كان المصطفى -عليه الصلاة والسلام- لم يأمن الاغترار بمنطق أحدهما فكيف بغيره؟!، وجاء عن عمر -رضي الله عنه-"لا تعجبنكم طنطنة الرجل، ولكن من أدى الأمانة، وكف لسانه عن أعراض المسلمين"
وخلاصة القول: إنه كما أن الكثير يحسن المنطق ولا يحسن العمل؛ فإن الكثير أيضًا يحسن العمل ولا يحسن المنطق والكلام!.
رابعًا: إن من أسباب عدم دقة أسلوب المقابلات اعتمادها على حالة نفسية واحدة، في الغالب أنها وجلة ومضطربة، ولا تعكس طبيعة الشخصية وأريحيتها دون تكلف، ذلك أن المتكلفين لا يستطاع النفاذ إلى حقيقة جوهرهم؛ بينما تعتمد طريقة الملاحظة الأطول زمنًا من خلال المؤاخاة أو السفر إلى استرخاء نفسي تتجلى من ورائه شخصية المقيم؛ بسبب ذهاب التوتر من جهة، وكذلك تبدل المواقف والأحداث التي تكشف وبجلاء جوانب متعددة من تلك الشخصية في الغضب والرضا والمنشط والمكره، ذلك أن كثيرين من الناس قادرون على التمثيل، ولكن القليل منهم فقط قادرون على التمثيل لفترات طويلة و متابينة.
11-تأثر المقيم بميولاته الشخصية في التقييم:
لكل إنسان نبوغ أو ميول إلى علوم أو مهارات أو وجهات معينة، وهذا من الاختلاف الجبلي الذي جبل عليه البشر، إلا أن هذا الاختلاف في الميولات ينبغي ألا يعكس على التقييمات على الأفراد سلبًا أو ايجابًا على حسب وجودها أو انعدامها في المقيم (بالفتح) .