إعداد: عبد الرحمن كيلاني
مقدمة
كثيرة هي الدعوات التي ظهرت في تاريخ المسلمين والتي تدعي الانتساب لآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، وأن الخلافة من حقهم منصوص عليها بأحاديث مكذوبة نسبوها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد اخترنا أن نتكلم عن أحد هذه الدعوات والتي نتجت عنها دولة العبيديين والتي تدعى تضليلًا للناس دولة الفاطميين، نسبة إلى فاطمة رضي الله عنها. سندرس كيف بدأت هذه الحركة وعقيدتها وتاريخها، وعلاقتها بالتشيع والحركات الأخرى، وما هي الفرق التي تفرعت عنها. وقد اخترنا أن ننقل ما أورده باختصار الأستاذ محمود شاكر في كتابه «التاريخ الإسلامي» عن بدء هذه الحركة، ثم ننتقل إلى الدولة العبيدية وتاريخها..
يقول الأستاذ محمود شاكر:
«نشطت الحركات القرمطية، وتعددت جماعاتها، وإذا كانت قد نُسبَت في أول أمرها إلى قرمط وهو حمدان بن الأشعث، إلا أنه قد أصبحت كل جماعة تحمل فكرة قرمط تُنسب إليه، وهي تعتمد على إطلاق العنان للشهوات البهيمية لاستغلال الشباب واستغلال المحرومين من الحياة الزوجية لبعدهم عن مواطنهم وعدم إمكاناتهم من الزواج، والحاقدين في الوقت نفسه على المتزوجين المنعّمين، كما تعتمد على شيوعية الأموال واستغلال الفقراء والناقمين على الأثرياء، أو استغلال الأرقاء على ساداتهم، ثم الإفساد بالأرض بكل وجوهه وأساليبه.
ففي جنوبي العراق وجد زكرويه بن مهرويه، وهو من أصل فارسي، شدّةً عليه، فمن ناحية ينقم عليه أتباع قرمط وابن عمه عبدان، ومن ناحية ثانية فقد اشتد الخليفة المعتضد في ملاحقة أتباع هذه الأفكار الكافرة من جهة والدنيئة من جهة أخرى، فأما الناحية الأولى فقد انتهى منها بالتخلص من «عبدان» بقتله، ويبدو أن يحيى بن زكرويه هو الذي تولى عملية القتل، ثم تلاه التخلص من حمدان. أما الناحية الثانية وهو ضغط الخليفة فلم يستطع أن يتخلص منه بل اشتدت وطأته عليه، لذا فقد بقي في مخبئه وظن أنه يمكنه أن يضم إليه أتباع قرمط في المستقبل بزوال رئيسهم حمدان، ومفكرهم عبدان ما دامت الفكرة واحدة، ورأى أن بلاد الشام تعمّها الفوضى، والحكم الطولوني فيها قد أصبح ضعيفًا لذا يمكن أن تكون مجالًا لنشاطه فأرسل أولاده. بعث يحيى بعد أن بايعه أتباع أبيه زكرويه في سواد الكوفة عام 289 هـ، ولقّبوه بالشيخ، كما كان يُعرف بأبي القاسم. ادّعى يحيى نسبًا إسماعيليًا فزعم أنه محمد بن عبد الله بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق، وادّعى لجماعته أن ناقته مأمورة، فإن تبعوها ظفروا، وأظهر لهم عضدًا ناقصة وزعم أنها آية، وقد تسمّوا بالفاطميين، وأرسل لهم هارون بن خمارويه جيشًا بقيادة «طغج بن جف» فهزمته القرامطة، وسارت نحو دمشق بعد أن انتهبت وانتهكت البلاد التي مرت عليها كلها، وحاصرت دمشق عام 290 هـ ولكنها عجزت عن فتحها، وأرسل الطولونيون لها جيشًا بقيادة «بدر الكبير» غلام أحمد بن طولون، فانتصر على القرامطة وقتل زعيمهم يحيى بن زكرويه.
أرسل زكرويه بن مهرويه من مخبئه ابنه الثاني «الحسين» وادّعى الآخر نسبًا إسماعيليًا فزعم أنه أحمد بن عبد الله بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق، ووضع شامة على وجهه، لذا عُرِف باسم «صاحب الخال» أو «أبو شامة» وذكر لأصحابه أنها آية له (!) ، وسار في إثر أخيه قبل أن يُقتَل.
لما شعر يحيى بن زكرويه أنه عاجز عن فتح دمشق إذ جاءت أهلها نجدات من بغداد ومن مصر، وأحسّ أنه مقتول لا محالة ادّعى أنه سيطلع إلى السماء غدًا، وأنه سيبقى فيها أربعين يومًا، ثم يعود، وأن أخاه «الحسين» سيأتي غدًا في نجدة -وكان قد بلغه ذلك- فعليهم بيعته والقتال معه والسير وراءه، وفي اليوم الثاني جرت المعركة قرب دمشق قُتِل فيها يحيى بن زكرويه وكان قد عرف يومذاك بصاحب الجمل حيث كان يمتطي جملًا خاصًا.