فهرس الكتاب

الصفحة 21083 من 27345

كنزي عجزي!

عبد الحميد الكبتي

)أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ ) ( 1 )

حين تنقبض النفس من صنوف الكبَد الكثير في الحياة ، ووقت أن تنقبض الروح في أمواج المواقف والمشاهد المؤلمة المتكررة ، وساعة أن يشعر المرء أنه قد ظُلم أو تعب أو أُرهق ، ساعتئذ تترتل هذه الآية في صالات قلبه ، ويبدأ صداها يتردد في غرف الجسد كله .

صدىً ليس كترديد البشر ؛ إذ تارة يكون متناغما مع ذاتك ومعزوفتك ، وتارات كثيرة أخرى يكون كاللحن النشاز ، حتى تمسي تظن أن معزوفة روحك وفكرك وعقلك وتعبك وجهدك ، كأنها هي التي لم تصاغ بشكل ولحن جميل .

و تتوارد على نفسك الخطوب ، وتبدأ أمواج الضيق ، و تتوالى رياح الغم ؛ من موقف قريب لك ، أو خسارة في تجارة مع الله أو مع دنيا الناس ، أو فقدان للأمن والأمانة ، أو شعور بجرح الخيانة ، أو يأس ممن حولك ، أو أمل في تغيير تتمناه .

في هذه الصورة التي تُعرض كأنها فيلم مصور ، له إيقاعاته ، وأبطاله ، وموسيقاه التصويرية الصاخبة في داخلك ، هذه الصورة تجعل كل شيء عندك ، لا يساوي شيئا ، مطلقا . لا مال ، ولا ولد ، ولا زوج ، ولا نفس ، ولا ذات .

فيبدأ الصدى المبارك في حنايا نفس المؤمن بهدوء جميل جدًا ، يسري في الصدر كأن عصافير الراحة بدأت ترفرف وتغرد ، وتسيل معه العيون بحبات من الندى ، لا تمسي حتى تهطل مطرا مباركا ، وتبدأ عيون القلب في العمى عن كل الصور ، إلا صورة ربها ، صورة قدرته ، وعلمه ، و وده ، وجبروته ، وعزته ، ورحمته التي وسعت كل شيء ، سبحانه .

وفي المضطر:

وقال السدي: الذي لا حول له ولا قوة .

وقال ذو النون: هو الذي قطع العلائق عما دون الله .

وقال أبو جعفر وأبو عثمان النيسابوري: هو المفلس . . ( 2 )

إعلان الإفلاس من كل شيء ، سوى الله ، هو قمة الغنى ؛ ذلك بأن الله تعالى الغني ذو الرحمة ، لا مال ولا علم ولا جاه ولا سلطان ، إعلان لإفلاس عام ، في كل مؤسسات الذات ، عندها يكون قمة الربح والفوز ، لأنك مفلس مع"الغني"فأنعم به من تجرد ، وأنت أغنى الأغنياء لو فقهت !

والعجز التام هو كذلك كنز ، بذا قال سعيد النورسي حكمته الجميلة: ( كنزي: عجزي ) ، وبه دل النبي عليه الصلاة والسلام عبد الله بن قيس قائلا: ( يا عبد الله بن قيس ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة ؟ . فقلت: بلى يا رسول الله ، قال:"قل لا حول ولا قوة إلا بالله".( 3 ) كنز في الجنة وأنت ترددها ، فكيف إن كانت معانيها متحققة فيك ! ؛ معاني التعري التام من كل الحول والقوة .

وإن توفر العجز والتسليم والإفلاس ، باتت الضرورة واضحة كما قال ابن عباس ، وأمسى قطع العلائق من دون الله جليا كما صرح ذو النون ، وأمسى المرء في صورة تامة من الاعتصام بالله وحده ، ممسكا بحبله ، يشده ، يقبض عليه ، مهما سال دم الضيق والعنت والحرج ، و لا يزال العبد وقتها معتصما ، تلين له الدنيا كلها .

قال وهب بن منبه: ( قرأت في الكتاب الأول إن الله تعالى يقول: بعزتي إنه من اعتصم بي فإنْ كادته السماوات بمن فيهن ، والأرض بمن فيهن ، فإني أجعل له من بين ذلك مخرجا ، ومن لم يعتصم بي ؛ فإني أخسف به من تحت قدميه الأرض فأجعله في الهواء فأكله إلى نفسه. ) ( 4 )

إنَْ اعتصم اقسم الله بعزته ! أن لا يضره شيء ويجعل له مخرجا ، وقمة الاعتصام يكون وقت الضرورة ، ويا لها من لحظات بديعة في صلة المرء بربه وحبيبه .

قال الشاعر:

وإني لأدعو الله والأمر ضيق *** علي فما ينفك أن يتفرجا

ورب أخ سدت عليه وجوهه *** أصاب لها لما دعا الله مخرجا. ( 5 )

يقول الأستاذ سيد في الآية:

( فالمضطر في لحظات الكربة والضيق لا يجد له ملجأ إلا الله ، يدعوه ليكشف عنه الضر والسوء ، ذلك حين تضيق الحلقة , وتشتد الخنقة , وتتخاذل القوى , وتتهاوى الأسناد ; وينظر الإنسان حواليه فيجد نفسه مجردا من وسائل النصرة وأسباب الخلاص .

لا قوته , ولا قوة في الأرض تنجده .

وكل ما كان يعده لساعة الشدة قد زاغ عنه أو تخلى ; وكل من كان يرجوه للكربة قد تنكر له أو تولى . .

في هذه اللحظة تستيقظ الفطرة فتلجأ إلى القوة الوحيدة التي تملك الغوث والنجدة , ويتجه الإنسان إلى الله ولو كان قد نسيه من قبل في ساعات الرخاء .

فهو الذي يجيب المضطر إذا دعاه . هو وحده دون سواه .

يجيبه ويكشف عنه السوء , ويرده إلى الأمن والسلامة , و ينجيه من الضيقة الآخذة بالخناق .

والناس يغفلون عن هذه الحقيقة في ساعات الرخاء , وفترات الغفلة ؛ يغفلون عنها فيلتمسون القوة والنصرة والحماية في قوة من قوى الأرض الهزيلة .

فأما حين تلجئهم الشدة , ويضطرهم الكرب , فتزول عن فطرتهم غشاوة الغفلة , ويرجعون إلى ربهم منيبين مهما يكونوا من قبل غافلين أو مكابرين . ) ( 6 )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت