يا لها من عودة مباركة ، غريب أمر الإنسان! ، يكون في الخناق كما يقول سيد ، ثم ما أن يلجأ بصدق إلى الله ، حتى تتحول تلك الحلقة الضيقة المتعبة ، إلى راحة وسعادة واستقرار وفرح ، بمجرد الصدق وحسن اللجوء ، ومن ذاق هذه الحلاوة الإيمانية يكاد يطلبها في كل وقت ، للذتها وعذوبتها في وعاء القلب الصغير .
ذكر ابن كثير عند تفسيره هذه الآية:( ذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة رجل حكى عنه أبو بكر محمد بن داود الدينوري المعروف بالدقي الصوفي قال هذا الرجل:
كنت أكاري على بغل لي من دمشق إلى بلد الزبداني فركب معي ذات مرة رجل ، فمررنا على بعض الطريق عن طريق غير مسلوكة .
فقال لي: خذ في هذه فإنها أقرب ، فقلت: لا خيرة لي فيها ، فقال: بل هي أقرب .
فسلكناها فانتهينا إلى مكان وعر وواد عميق وفيه قتلى كثيرة ، فقال لي: أمسك رأس البغل حتى أنزل ، فنزل وتشمر وجمع عليه ثيابه وسل سكينا معه وقصدني ، ففررت من بين يديه وتبعني فناشدته الله وقلت: خذ البغل بما عليه ، فقال: هو لي ، وإنما أريد قتلك !
فخوفته الله والعقوبة فلم يقبل ، فاستسلمت بين يديه وقلت: إن رأيت أن تتركني حتى أصلي ركعتين ، فقال عجّل .
فقمت أصلي فأرتج علي القرآن فلم يحضرني منه حرف واحد ، فبقيت واقفا متحيرا ، وهو يقول: هيه افرغ ، فأجرى الله على لساني قوله تعالى:"أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء".
فإذا أنا بفارس قد أقبل من فم الوادي وبيده حربة فرمى بها الرجل فما أخطأت فؤاده فخر صريعا .
فتعلقت بالفارس وقلت بالله من أنت ؟ فقال أنا رسول الذي يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء قال فأخذت البغل والحمل ورجعت سالما ) . ( 7 )
نقلة هذه القصة ، تنقلك مع المعاني النفسية التي ذكرها سيد رحمه الله ، والتي يستشعرها ويبتهج بها كل من اضطر ولجأ وقرب وانحنى ، تنقلك من هذه المعاني إلى واقع ملموس ، وفارس يأتي بجواده ، وحربة في قلب لص ، سبحان الله ، فما عليك إلا أن تلجأ ، حتى لو ضاعت منك الكلمات ، ونسيت كل القرآن والتسبيح والتعظيم لله ، وأرتج عقلك من كل معنى ، لهول الموقف ، فقط توجه له ، بأي لغة كانت ، وبأي كلمات مبعثرة قد لا تعيها ، لكنه سبحانه يعلم حاجتك ، فيرسل لك فارسا بحربته ، وقد أقسم من قبل بعزته أن يكون معك لو اعتصمت ، وتأتي الإصابة في قلب الحدث الذي ألم بك ، ويرقص قلبك طربا ، المهم أن تتعلق وتلح وتستجدي .
قال الشيخ الحبيب اللطيف: ( من الذي يفزع إليه المكروب ، ويستغيث به المنكوب ، وتصمد إليه الكائنات وتسأله المخلوقات وتلهج بذكره الألسن ، وتألهه القلوب إنه الله لا إله إلا هو .
وحق علي وعليك أن ندعوه في الشدة والرخاء، والسراء والضراء، ونفزع إليه في الملمات، ونتوسل إليه في الكربات، وننطرح على عتبات بابه سائلين باكين ضارعين منيبين، حينها يأتي مدده ويصل عونه ويسرع فرجه، ويحل فتحه"أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ"فينجي الغريق ويرد الغائب ، ويعافي المبتلى ، وينصر المظلوم ، ويهدي الضال ، ويشفي المريض ، ويفرج عن المكروب"فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ" (العنكبوت: من الآية65)
إذا نزلت بك النوازل وألمت بك الخطوب ، فالهج بذكره ، واهتف باسمه ، واطلب مدده واسأله فتحه ونصره ، مرغ الجبين لتقديس اسمه ، لتحصل على تاج الحرية ، وأرغم الأنف في طين عبوديته لتحوز وسام النجاة .
مد يديك
ارفع كفيك
أطلق لسانك
أكثر من طلبه
بالغ في سؤاله
ألحَّ عليه
الزم بابه
انتظر لطفه
ترقب فتحه
أُشْدُ باسمه
أحسن ظنك فيه
انقطع إليه
تبتل إليه تبتيلًا حتى تسعد وتفلح . ) ( 8 )
أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ ....*
( 1 ) (النمل:62) .
( 2 ) تفسير القرطبي .
( 3 ) رواه البخاري ومسلم .
( 4 ) تفسير ابن كثير
( 5 ) تفسير القرطبي .
( 6 ) في ظلال القرآن .
( 7 ) تفسير ابن كثير .
( 8 ) كتاب لا تحزن لعائض القرني