فهرس الكتاب

الصفحة 21671 من 27345

د. محمد بن سعود البشر 28/12/1425

لسنا مع القائلين بالصراع بين الحضارات، ولسنا مأمورين في شريعتنا الإسلامية التي جاءت رحمة للعالمين بالدخول في صراع من أي نوع مع من لم يعتد علينا، ولسنا -أيضًا- متربّصين بمن أخطأ في حقّنا لكننا رغم ذلك لسنا الطرف الأضعف في أي صراع قد يُفرض علينا.

أقول هذا بعد ما هالني الكم الكبير من الأُطروحات والمقالات وحتى الرسائل العلمية التي قدمها المفكرون والمثقفون من العرب والمسلمين في إعلان موقف الإسلام الرافض لنظريّة (صمويل هنتجتون) والقائلة بصراع الحضارات، والمرجِّحة أن الصراع القادم أو لنقل الحالي هو بين حضارة الغرب والحضارة الإسلاميّة.

ومع كل الاحترام للكتابات القيّمة والموضوعيّة التي تعرض الأدلة العقليّة والنقليّة على أن الحضارات لا تتصارع بل تتفاعل وتتلاقى وتتلاقح لخير الإنسانية، إلا أنه مما يُؤسف له أن كثيرًا من الكتابات والأُطروحات وضعتنا ووضعت حضارتنا الإسلاميّة وديننا الإسلاميّ في موقف المتهم الذي يقبع خلف ا لقضبان، ويجتهد قدر استطاعته لتقديم أدلّة براءته.

وإذا كانت القاعدة الفقهيّة والقانونيّة تقول: إن البينة على من ادّعى فإن (صمويل هنتجتون) ومن يقول مثل قوله هم المطالبون بأن يقدموا الأدلة التي تفيد تورّط الحضارة الإسلاميّة في أي صراع آنيٍّ أو مستقبليٍّ مع غيرها من الحضارات، أو حتى وجود نوايا لدى المسلمين لقهر حضارة الغرب، عبر صراع من أيّ نوع، ولتكن دعوتنا نحن المسلمين بعد ذلك، للعالم أن يصدر في موضوعيّة ومصداقيّة هذه الأدلة، وهل تديننا أم تدين قائلها، وتكشف نواياه ونوايا بعض المنتسبين لحضارة الغرب في إشعال نار صراع بين المسلمين والغرب؛ لأسباب لن تبدو ساعتها بخافية على ذي لبّ... لكن ما حدث أن المدّعي ألقى تهمته وأشعل قتيل الصّراع دون دليل، وانساق المتحمسون من أبناء أمتنا لدفعها قبل أن يطالبوا بإثبات صحة الاتّهام.. والدلائل التي لا بد أن تتوافر لقبول الدعوى شكلًا أو موضوعًا.

وإنما كان من البدهيّات أن الصراع بين أي طرفين لا يعني أن كليهما راغب فيه، فيكفي أن يكون أحدهما هو الساعي إليه مغترًا بقوته، أو باحثًا عن مصلحة، أو مدفوعًا بأحقادٍ انتقامية، أو غير ذلك من أسباب الصراع، فعندها لن يجد الطرف الآخر سوى الدفاع عن نفسه بكل ما أوتي من قوّة.

إنّ الترويج لنظريّة الصراع بين الحضارات، وجعل الحضارة الإسلامية الخصم الرئيس لحضارة الغرب، نذير سوء بأن ثمّة محاولات جادّة لتوريطنا في صراع مع الغرب، أو بالأدق فُرِض هذا الصراع علينا، ظنًا من القائلين بالصراع أننا الطرف الأضعف، وأن هزيمتنا وانكسارنا نتيجة حتمية مسلَّم بها.

ولا شك أن التفوق للحضارة الغربيّة الماديّة يُرجّح -بالمفهموم المادي الصرف- هزيمتنا الحضاريّة لو أصبح هذا الصراع حتميًا ومباشرًا وهو ما دفع بكثير من مفكّرينا ومثقفينا إلى الإسراع في دفع هذه التهمة.

لكن القارئ المدقق لوقائع التاريخ يدرك أن تفوّق الغرب أو لنقل تفوق الحضارة الأمريكيّة -إن جاز التعبير- لا يجعلنا الطرف الأضعف في حالة نشوب الصراع. ولا يجب أن توهم بذلك، فصراع الحضارات ليس معركة عسكريّة، وقوة السلاح لا تبيد حضارة إنسانيّة، وإن دمّرت مظاهرها؛ لأن الحضارة هي الإنسان بتاريخه وأفكاره وثقافته قبل أن تكون بمنجزاته الماديّة.

وميراثنا من هذه الحضارة يتجاوز أربعة عشر قرنًا تشكلت خلالها قواعد الشخصيّة الإسلاميّة وترسّخت من جيل إلى جيل، ربما دون وعي أو التفات إلى ملامح هذه الشخصيّة، لكن في لحظات الخطر والتحدي تظهر الملامح القويّة لشخصيّة المسلم رغم كل محاولات تشويهها، وفصلها عن قواعدها الحضاريّة لتقول لكل من أرادها بسوء: إنّنا لسنا الطرف الأضعف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت