علاء سعد حسن
خطبة الوداع ذلك اللقاء الأخير بين سيد البشر محمد بن عبد الله رسول الله وبين هذه الجموع الغفيرة من الأمة الإسلامية .. ها هو النبي ص يلتقي اليوم في ضاحية من ضواحي مكة .. مكة التي خرج منها مطاردًا ثاني اثنين إذ هما في الغار قبل عشر سنوات، يلتقي اليوم في عرفات بجموع هائلة من مختلف أنحاء الجزيرة العربية، جموع هائلة يقدرها كتاب السير بين مائة وعشرين ألفًا ومائة وأربعين ألفًا (1) ، يحتشدون خلف النبي الخاتم يأخذون عنه مناسكهم ويزيلون عن أنفسهم آخر أدران الجاهلية لينعموا بروعة الإيمان .. لقد كانت خطبة الوداع لقاءً خالدًا فريدًا بعد دعوة وجهاد ومحنة وابتلاء وثبات وبطولة ودماء وأشلاء وتربية وبناء دامت ثلاثة وعشرين عامًا كاملة، فماذا يدور في هذه اللحظات بخلد القائد الأعظم والنبي الخاتم وهو يتابع هذه الجموع الحاشدة التي تسد الآفاق وتملأ الوادي الرحيب؟ وتمر بخاطره ذكريات دار الأرقم بن أبي الأرقم والمسلمون الأول يتخفون بصلاتهم في الشعاب، ويخفّون في جنح الظلام إلى الدار ليأخذوا عن النبي الكريم معالم الدين الجديد ولم يتجاوز عددهم الأربعين (2) ..
وتتتابع ذكريات خباب بن الأرت يستنصر الرسول ص والدماء تسيل من جسده ووجهه، وسمية وياسر حيث الصمود الخالد والنبي يدعوهما للصبر ويبشرهما بالجنة، وبلال بن رباح في رمضاء مكة مطروحًا على البطحاء يكوى بالحجارة المحرقة ونداؤه الخالد (أحد أحد) ، وتمر بالذهن لقطة عابرة لفتيان قريش وهم يترصدون باب النبي ينتظرون خروجه ليقتلوه فيخرج من بين أيديهم بحفظ المولى وفداء علي ورفقة الصديق يشق طريقًا جديدًا لدين الله في أرض الله ..
رسالتنا تغييرية تربوية: اليوم يقف النبي ص في وادي عرنة وحوله فرسانه وفيهم الصناديد الذين طالما حاربوه وآذوه وصدوا عن دعوته، يقفون اليوم بين يديه يتلقون عنه معالم الطريق ويأتمرون بأمره ويفدونه بأرواحهم وما يملكون، يقف النبي فوق ناقته القصواء وحوله خالد بن الوليد وأبوسفيان بن حرب وسهيل بن عمرو وعكرمة ابن أبي جهل وربيعة بن أمية بن خلف .. اليوم يبلغ خطبة النبي ص إلى الجموع المحتشدة ربيعة بن أمية بن خلف صائحًا فيهم مبلغًا ما ينطق به رسول الله ص (3 ) !! ابن أمية بن خلف أحد زعماء الكفر الذين طالما أرهقوا النبي وعذبوا أتباعه!!!
أو تذكرون ؟! عندما اشتد ضغط قريش على رسول الله في عام الحزن فتحرك إلى الطائف فكذبه أهلها وأخرجوه وقذفوه بالحجارة، وعرض عليه ملك الجبال أن يطبق عليهم الأخشبين فأطلق النبي ص قولته الخالدة وأمله الباهر ونبوءته النابغة ومنهجه الأصيل: بل أرجو أن يخرج الله عز وجل من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا (4) .
اليوم يشرق الأمل وتتحقق النبوءة وتتضح عبقرية منهج الإسلام.. اليوم في خطبة الوداع تتجلى عظمة الرسالة والرسول وتفرد القائد.. إن أي زعيم حين تتوافر له أسباب القوة والبطش يستطيع أن ينتصر على أعدائه وأن يقهر مخالفيه فيحقق انتصارًا ماديًا قد يكون ساحقًا أو ماحقًا، قد يبيدهم أو يستذلهم .. لكن الانتصار الكبير الذي حققه رسول الله لم يكن قهرًا ماديًا، ولا ذلًا للرجال والشعوب، لقد فتح النبي القلوب قبل أن يفتح الدروب، فخضعت النفوس طائعة مختارة لحكم الله، واستعلت بالإيمان وعزت بالإسلام وباتت تفدي النبي الكريم بكل ما في الحياة ..
من غير محمد ص في التاريخ قديمه وحديثه استطاع أن يحول أعداءه إلى أتباع بررة وجنود أشاوس! وأي دين غير الإسلام استطاع أن يحول أعداء الدين والدعوة إلى أبطال الدين ورجال الدعوة وحملة الرسالة؟!
لقد حمل الرسول ص الرسالة إلى هؤلاء وصبر على جهلهم وجاهليتهم حتى أخرج منهم على عين الله رسلًا ينطلقون برسالة الإسلام إلى العالمين، يقف الواحد منهم على أعتاب المدائن الفارسية فيجيب القائد الأعلى لجيش فارس: بأن الله ابتعثنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله رب العباد (5) ، وهكذا تحول أعداء الأمس إلى شركاء يحملون الرسالة يدًا بيد وقلبًا بقلب.
خطبة الوداع ويوم الحج الأكبر شاهد تاريخي لا يكذب على رشد منهج النبوة وتفرد أسلوب الإسلام، فما نزل الدين إلى الأرض ليطبق على الناس الأخشبين ولا ليزيلهم من الوجود، بل نزل الدين إلى الأرض ليزكي النفوس الجاحدة فينقلها على يد رسول كريم ومربٍ عظيم من قاع الكفر إلى قمة الإيمان، ومن وهدة الجاهلية إلى نور الهداية ..فرسالتنا تغييرية تربوية لا نسفية تدميرية .
إجمال بعد تفصيل