اليوم يقف الحبيب المصطفى فوق ناقته القصواء يخطب في زهاء مائة وأربعين ألفًا من المسلمين تمتلئ بهم الآفاق وقد طهرت جزيرة العرب كلها من رجس الجاهلية، فماذا يدور في خلد الرسول ص وهو يشعر أنه يودع تلك الأمة الخالدة؟ وأي رسالة يريد أن ينهي بها مشوار رسالته الطويل الشاق؟ وما هي الأمانة التي يريد أن يحملها تلك الجموع الغفيرة لتنقلها بعده إلى الأرض قاطبة؟
إن تلك الكلمات النورانية التي توشك أن تنبلج على لسان رسول الله ص لابد أن تلخص قيم الإسلام التي ظل النبي يؤصلها في حياة الناس ثلاث وعشرين عامًا كاملة ..
هذا هو أكبر تجمع عرفه الإسلام في تاريخه منذ البعثة إلى ذلك اليوم، فكان على النبي أن يعالج آخر تصورات الجاهلية العالقة في بعض الأذهان ويزيل من الوجود آخر أذيالها المهترئة، وهو ينتقل في خطابه الخالد من الصفوة التي طالما رباها وخاطبها في دار الأرقم ثم في دار الهجرة مهاجرين وأنصارًا، ينتقل من تلك الصفوة المنتقاة إلى العامة التي جاءت من كل فج عميق وألوف مؤلفة منهم حديثي عهد بجاهلية لم يفقهوا من الإسلام وتعاليمه الكثير .. لقد كان النبي ص يؤكد خلال هذه الخطبة الخالدة على حقائق رسخها الإسلام بالفعل خلال عقدين كاملين من الزمان، فجاءت فيها الإشارات الأساسية إجمالًا موجزًا بعد تفصيل استغرق حياة النبوة كلها .. كانت خطبة الوداع معالم عامة على طريق الإسلام العظيم، وجاءت كلمات الرسول فهرسًا عامًا لكتاب الإسلام الخالد الذي عاشه منذ البعثة وأقامه في حياة البشر، ورؤوس أقلام مختصرة موجزة، فمن أراد من هذه الجموع المحتشدة أو من الأجيال التالية أن يستزيد علمًا ومعرفة في باب من تلك الأبواب فعليه أن يقرأ الباب كاملًا من خلال تعاليم القرآن الكريم وتطبيق النبي الأمين خلال سيرته العطرة كلها.
يقول البوطي: ويريد رسول الله ص أن يلتقي بهؤلاء الحشود المسلمة الذين جاءوا ثمرة جهاد استمر ثلاثة وعشرين عامًا، ليلخص لهم تعاليم الإسلام ونظامه في كلمات جامعة وموعظة مختصرة يضمنها كوامن وجدانه ونبرات محبته لأمته ... (6) .
أما المعالم الرئيسة التي تناولها النبي ص في خطبة الوداع فهي:
1 حرمة الدماء والأموال والأعراض وعصمتها (7) :"أيها الناس، إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا" (8) ..
2 البراءة من قيم الجاهلية وأهمها إراقة الدماء وأكل الربا، وهما الطريقتان الأساسيتان اللتان يأكل بهما القوي الضعيف حيث يستبيح دمه بالقتل ويأكل ماله بالربا فيزداد القوي الغني قوة وغنى، ويزداد الضعفاء الفقراء ضعفًا على ضعف وفقرًا فوق فقر"ألا وأن كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع ودماء الجاهلية موضوعة، وربا الجاهلية موضوع".
3 عدل الإسلام المطلق والمساواة الحقيقية والشفافية النزيهة، فلا حصانة ولا استثناء، إن كان الربا قد حرمه الله فأول ربا محرم هو ربا العباس عم النبي ص، وإن كانت دماء الجاهلية موضوعة فأول دم يضعه النبي تحت قدمه هو دم بن ربيعة بن الحارث عم النبي ص"وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث، وأول ربا أضع ربا العباس بن عبد المطلب".. فهل عرفت الدنيا عدلًا مثل ذلك العدل!
يصدر القانون النبوي فيكون أول تطبيق عملي له على أهل بيت النبوة.. إن كثيرًا من القوانين التي تصدر اليوم هنا وهناك قد تكون صالحة من الناحية النظرية لكنها تفقد مصداقيتها وتسقط من حياة الشعوب لغياب القدوة التطبيقية من ناحية ولتعدد الاستثناءات المزهقة لها من ناحية أخرى، لكن القانون في الإسلام عبادة وطاعة يحرص المسلم عليه مع القدرة على تخطيه لتحقيق العدل والمساواة وهما من دعائم بناء المجتمع المسلم، والشفافية الكاملة داخل المجتمع المسلم الذي أسسه النبي فكل ما يدور في بيت أهله معلوم للجميع سواء كان على المستوى الاقتصادي (ربا العباس) ، أو كان على الصعيد الاجتماعي (دم ابن ربيعة بن الحارث) ، ولقد رأينا من قبل العلاقات الأسرية داخل بيت النبي القائد تناقش على الملأ في صراحة مذهلة (9) ، فلا مجال لإشاعة مغرضة، ولا مداراة لحقيقة قائمة .. بيت القائد بيت من زجاج لا يخفي خطأ ولا يتستر على فساد. (10) وهو حق القبيلة والعائلة والأسرة إلى مفهوم القصاص وهو حق المجتمع"دم الجاهلية موضوع"، فمفهوم الثأر الذي هو دماء الجاهلية مفهوم جاهلي لا يتوافر فيه العدل ولا التحقيق المنصف مع الجاني ولا البحث في أسباب الجريمة وخلفياتها، بينما القصاص وهو القانون الذي يحكم المجتمع وتقوم على تطبيقه الدولة في إطار من التحقق والتثبت يلغي الفوضى الجاهلية ويؤمن المجتمع المسلم ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون (179) (البقرة) .