فهرس الكتاب

الصفحة 5319 من 27345

د. إسماعيل محمد حنفي*

تمهيد:

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله الأمين، محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه أجمعين ... وبعد ...

إنَّ أمر الوقاية وتدابيرها في الإسلام أمرٌ أصيل، ويندرج تحت قاعدة (سد الذرائع) (1) التي تقضي بإغلاق جميع السُبُل المؤدية إلى المحرم أو إلى الضرر. كما أنه يندرج تحت قواعد مثل:

ـ"درء المفاسد مقدَّم على جلب المصالح" (2) : فكل ما يمكن أن يترتب عليه ضرر يُحجم عنه ويُمنع مع عدم الالتفات إلى المصالح المرجوة من ورائه.

ـ"الدفع أقوى من الرفع" (3) ؛ بمعنى أن منع الشيء قبل وقوعه يُعدُّ أقوى في التأثير في التعامل مع ذلك الشيء الضار مما لو انتظرنا أن يقع ثم نحاول بعد ذلك إزالته. هذا بالإضافة إلى كون الدفع ـ عن طريق الوقاية ـ يُعدُّ أسهل وأيسر وأقل تعقيدًا من الرفع لآثار الضرر الذي حلَّ، وهذا قد يجُر أضرارًا ومفاسد أخرى معه .. وهذا معنى قولهم"الوقاية خيرٌ من العلاج"، ولكن الفقه الإسلامي أسبق في ذلك.

أليس الأمر بغض البصر عن المحرمات وقايةً من الوقوع فيها، أليس النهي عن خلوة الرجل بالمرأة وقايةً من وقوع كليهما في الفاحشة، أليس الأمر بأخذ الحذر من العدو ـ حتى في أثناء الصلاة ـ وقايةً من وقوع ضرره على المسلمين؟.

وإذا تأملنا تشريعًا مثل تشريع الصوم نجد الوقاية نصًا ـ في القرآن ـ يقول سبحانه: ]يا أيها الذين آمنوا كُتِبَ عليكم الصيامُ كما كُتبَ على الذين من قبلكم لعلَّكم تتقون[ (4) ."إنَّ الصوم الذي لخصَّ الله حكمته في العبارة القرآنية المعجزة (لعلَّكم تتقون) هو أهم أبواب الوقاية بمعناها الشامل، فلن تتحقق التقوى إلا إذا كان الجوع ذا تأثيرٍ على الجسم والعقل والروح بحيث يسهُلُ توجُّه هذه القوى الأساسية إلى غايةٍ واحدة في جوٍ من الصَّفاء والطهارة، وهي غاية التقوى" (5) .

أقول: ألم يأمر الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم من لم يستطع الباءة من الشباب ليتزوج بأن يصوم، وأخبر أنَّ الصوم يُعدُّ حماية له ووقاية؟ ألا يتعلق ذلك بموضوعنا؟.

هل فكَّرنا في أن نخاطب الغربيين وغيرهم ممن انتشر عندهم هذا المرض الفتَّاك ـ الإيدز ـ بمثل هذه النصوص عن رسولناe لمعالجة أمر الشهوات الطاغية المتدفقة لدى أقوامهم لدرجة أنهم لا يعرفون أين يفرغونها أفي الإنسان فقط أم الحيوان؟ أفي النساء فقط؟ أم الرجال؟ أم الأطفال؟!.

إنَّ أمر الوقاية عندنا في الإسلام أمرٌ يسيرٌ ليس مكلِّفًا لأنه يكون بالكفِّ والامتناع، وهو ليس كالبذل والعطاء، يكفي أن تمتنع عن الطعام أحيانًا، وأن تمتنع عن مفارقة الفاحشة وعن مرافقة أصدقاء السوء وعن النظر إلى المثيرات والاستماع إليها ... والبدائل موجودة بحمد الله في ما خلق الله من النعم الجليلة، والخيرات العديدة.

إنَّنا نود أن نقول هنا إنَّ الأساس الذي تقوم عليه الوقاية ـ من الإيدز وما شابهه من الأمراض الخبيثة ـ يمكن أن تكون بالالتزام بتعاليم الإسلام شكلًا ومضمونًا، فالخير فيها لمن لازمها، والشر لمن بارحها.

إذًا، إن نجحنا في إقناع الآخرين بهذه التدابير الوقائية فكأنها دعوةٌ لهم جميعًا لاعتناق هذا الدِّين، لأنَّ مصلحتهم فيه، ودرء المفاسد عنهم موجود فيه، وهم ـ كبقية البشر ـ مصلحيُّون بطبعهم.

آمل أن أرصد في هذه البحث الموجز أهم التدابير الشرعية التي تُشكِّل منهجًا ينبغي الأخذ به لوقاية أمتنا من مرض الإيدز، تحجيمًا للضرر عند هذا الحد وتلك الإحصائيات بحيث لا يتعدَّى ذلك إلى ما هو أكثر ... حتى نصدق قوله تعالى ] ولا تقتلوا أنفسكم، إنَّ الله كان بكم رحيما [ (6) ، وقوله سبحانه ] ولا تلقوا بأيديكم إلى التَّهلُكة[ (7) .

أولًا: تسهيل الزواج وتشجيعه:

يقول الله سبحانه ]وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم [ (8) . ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوَّج، فإنَّه أغضُّ للبصر وأحصنُ للفرج...) الحديث (9) .

فإن كنا نتكلم عن أسباب الوقاية من هذا الداء ـ الإيدز ـ فإنَّ علينا أن نقفل أبواب الدخول إليه، ومن أهمها ميل الرجل إلى المرأة ميلًا فطريًا، وبما أن الإسلام دين الفطرة فهو إذًا لا يحاربها بل يهذبها، ولذا شرع الزواج ليكون طريقًا سليمًا صحيحًا للعلاقة بين الجنسين تضمن الثمرات الطيبة لهذه العلاقة وليس الثمرات الخبيثة.

"إذا كان الإسلام قد أعلن الحرب على مرتكبي الفواحش، وأوجب أن تقام عليهم العقوبات القاسية الشديدة، فإنه شرع الطريق النظيف لإشباع الرغبات الجنسية بطريق الزواج، إنه السبيل القويم في مقابل السيئ المقيت الذي حذَّر الله منه" (10) .

ومن ثمَّ يجب على الدولة وأفراد المجتمع الجد في تبسيط أمر الزواج والإعانة عليه بتقديم الدعم للراغبين في الزواج، وفي إقامة الزواج الجماعي للشباب في المؤسسات المختلفة ـ ومنها الجامعات ـ وتوفير الوظائف المناسبة لهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت