فهل نحسب بعد هذا كله أننا إذا سمعنا الشهادتين يصدح بها المؤذنون عربًا وعجمًا في مشارق الأرض ومغاربها أنها قامت على ثلة من الموهوبين والحكماء والفرسان والقادة !! لو كان الأمر كذلك لمات الدين واندثرت معالمه بموتهم ، ولكنهم -والله -كانوا أعلم منا بمستقبل هذا الدين ، وأيقن منا بنصره وعزته ، وأدرى منا بأن الله سيظهره على الأديان كلها، ولذلك اعتنوا بتربية الأجيال ، وصقل المواهب ، وتربية الناشئة ، فلا يموت الفارس إلا وقد ترك من بعده الفرسان ، ولا يموت العالم إلا وقد ورّث للأمة العلماء ، وقل مثل هذا في كل علم أو فن ينفع الأمة ، ويعلي من قدرها ، وينصرها على أعدائها .
17)عدم اكتراثنا بأهمية الالتزام بالمواعيد ، حتى أصبح من يُعرف بالدقة فيها قليلًا أو نادرًا ، ألم نر كيف أثنى الله على نبيه إسماعيل -عليه السلام- بأنه صادق الوعد ، وقدم هذه الصفة على صفة الرسالة والنبوة !، فقال: ( وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا ) ، إن صفة الوفاء بالوعد صفة جزاؤها الجنة ، فإن الله قال: ( وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ ) ، وهل يحب أحدنا أن يتصف بصفة من صفات النفاق والعياذ بالله ، فإن المنافق إذا وعد أخلف كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم-.
18)عدم معالجتنا لفتور هممنا ، فإن همة الإنسان عضلة من عضلاته ، تحتاج إلى استمرار في التمرين لتنمو وتقوى ، فإذا تركت فترت وضعفت ، يقول أبو الدرداء - رضي الله عنه-: ( من فقه العبد أن يتعاهد إيمانه وما نقص منه ، ومن فقه العبد أن يعلم: أيزداد هو أم ينتقِص ؟ ) ، فلنبحث عن مظاهر الفتور في أنفسنا ، وعن أسبابه ، ومن ثم نسأل عن الدواء والعلاج.
19)ثقل العفو على بعض النفوس ، فمن منا لا تحصل بينه وبين أخيه مشادة أو اختلاف أو سوء تفاهم ، ربما يكون لرأي أو قضية اجتماعية ، أو تنافس على خير ، أو رغبة في دنيا أو غير ذلك ، ولكن ما حالنا مع صفاء النفس وخلوها من الكراهية والضغينة أو ترسبات الاختلاف والمشكلة ؟
لقد آذى المشركون نبي الله - صلى الله عليه وسلم- أشد الإيذاء وقاتلوه وأخرجوه ، ولكنهم حينما اصطفوا أمامه يوم فتح مكة وقد أصغرتهم الذلة ، و حلت بهم المهانة ، وأيقنوا أن يوم الانتقام منهم قد آن أوانه ، قام النبي- صلى الله عليه وسلم- يخطب فيهم قائلًا: ( يا معشر قريش ، ما ترون أني صانع بكم ؟ قالوا خيرا ، أخ كريم وابن أخ كريم ، قال: فإني أقول لكم كما قال يوسف لإخوته:( لا تثريب عليكم اليوم ) اذهبوا فأنتم الطلقاء) .
يا من تخيره الإله لخلقه ... ...
فحباه بالخلق الزكي الطاهر
أنت النبي وخير عصبة آدم ... ...
يا من يجود كفيض بحر زاخر
ولنتذكر حينما نتردد في العفو أمرين: الأول: أن البغضاء والشحناء من نزغ الشيطان ، والثاني: قول الله -سبحانه-: ( وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) .
20)استعجالنا في تحصيل النتائج ، فإن العجلة في قطف الثمرة قد تؤدي بالداعية إلى حصول السآمة والملل من طريق الدعوة الطويل ، بل ربما توصله العجلة إلى الإحباط أحيانًا ، ولنتذكر أن النبي - صلى الله عليه وسلم- ظل يدعو أهل مكة ثلاث عشرة سنة ، ما سئم وما يعجل ، بل قال: (( لعل الله يخرج من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئا ) )، فالدعوة الناجحة تحتاج إلى: صبرٍ جميل ، وتضحيةٍ عظيمة ، ونظرةٍ بعيدة ، وأملٍ مرتقب ، فالصبرَ الصبر يا أهل الخير والإحسان ، والحلمَ الحلم يا أهل الحسبة والدعوة ، فإن الله وعد الصالحين فقال: ( وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِي الصَّالِحُونَ) .
وأخيرًا: لنعش الحياة التي أرادها الله -تعالى- لعباده الطيبين ، متمسكين بدين الله ، ملتزمين بأحكامه ، مخلصين له ، نحب لأنفسنا وأهلينا ومجتمعنا الخير والصلاح ، غير ملتفتين لسخرية الساخرين ، متسلحين بالتوكل على الله -تعالى- ، واليقين بتوفيقه في إصلاح أنفسنا ومجتمعنا ، ولتكن خطواتك أيها المسلم المربي واثقة بالدعاء ، راسخة بالعلم الشرعي ، ولنسأل الله -تعالى- الثبات على أمره ، والغنيمة من كل بر، والفوز بالجنة ، والنجاة من النار .
* المحاضر بكلية الشريعة في الإحساء