فهرس الكتاب

الصفحة 13364 من 27345

إن الآية تتناسق مع الواقعة ( إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق ، إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ذلك الفوز الكبير ) هنا نطلب إليكم جميعًا لهذا الذي سنقول . قبل كل شيء أحب أن تعلموا علمًا لا يدخله الريب ولا يعتوره الشك أن الإسلام بمفاهيمه العظيمة وبقضاياه العالية غريب بين المسلمين ، وأُشدد غريب بين المسلمين ، وأن المسلمين بأمس الحاجة إلى أن يعرفوا أهداف إسلامهم الرفيعة وقضاياه الكبرى ، وإنه ليشدني إلى المقارنة إلى أنني كلما توغلت في دراسة الإسلام والقرآن على وجه الخصوص تكشفت لي جوانب من هذه العلاقات المتشابكة بين شؤون الإسلام كلها والتي يمكن أن يكون مستحيلًا أداؤها بالكلام الذي يفهمه سواد الناس .

إن الأمر الذي يستثير التفكير هو أن هناك مشابهة واضحة وقوية بين هذا الإسلام وبين نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم ، وليست المشابهة التي أشير إليها هي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان متخلقًا بأخلاق القرآن أو ما أشبه فالقضية أبعد . خذ القرآن واقرأه من فاتحته إلى خاتمته فأنت تشعر باستمرار مع كل آية ومع كل كلمة ومع كل حرف أنك أمام ذات متعالية قاهرة متسلطة هي التي تتحدث ، وهي التي تخاطب وهي التي تأمر وهي التي تنهى وهي التي تشير إلى مسالك الطريق . تصوّر أن هذا القرآن نزل على محمد صلى الله عليه وسلم وظل ينزل عليه ثلاثًا وعشرين سنة اختلفت عليه خلالها الأحوال وتقلبت به الأطوار ورأى ما رأى وسمع ما سمع ، أرأيت في القرآن شيئًا ولو بعض آية يشير إلى هذه الانفعالات البشرية التي كانت تعتري نفس محمد صلى الله عليه وسلم ؟ لا ، أبدًا ، بل إننا لنجد أن القرآن يحرص أبلغ الحرص على الفصل الكامل بين حقيقة الوحي وبين شخص النبي صلى الله عليه وسلم . إن الرسول عليه السلام حينما جاءته هذه النعمة من الله كان حريصًا عليها غاية الحرص يحبها ويريدها ويشتهي أن تدوم له آناء الليل وأطراف النهار ، وليس بعيدًا عنكم تلك الواقعة من حوادث السيرة التي تقص عليكم خلال البحث في فترة الوحي ، فإن الوحي فتر عن النبي صلى الله عليه وسلم مدة يختلف في تقديرها وتحديثها رواة السيرة إلا أن الشيء الذي نقف عنده متأملين هو أن النبي عليه السلام حينما تلبّث عليه الوحي وفتر حاول أن يتردى من شواهق الجبال ، حاول أن يلقي بنفسه من رأس جبل من هذه الجبال التي تحيط بمكة لكي يريح نفسه من هذا العذاب المر الذي نتج عن فترة الوحي إليه وغياب جبريل أمين الوحي . فهو إذًا عليه السلام كان لا أحرص منه على أن يبقى معايشًا لهذا الوحي ، ولهذا نجده عليه الصلاة والسلام حينما كان جبريل عليه السلام يأتيه بالوحي من وحي الله جل وعلا فيقرأه عليه يقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم مع جبريل حرصًا منه على أن يثبّت في قلبه وفي لبه هذا الوحي كي لا يذهب عليه شيء وكي لا يتفلّت منه شيء ،فالله جل وعلا عزلًا للإرادة البشرية وفصلًا بين الوحي وبين النازع البشري قال له في محكم التنزيل ( لا تحرك به لسانك لتعجل به إنا علينا جمعه وقرآنه فإذا قرآناه فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه ) أي لا تسمح لعواطف الرغبة هذه التي تعتمل في داخل نفسك أن تصرفك عما ينبغي لك من الهدوء والسكينة والتوقر في ملاقاة وحي الله جل وعلا ولا تخف أن يذهب عليك منه شيء أو أن تنسى منه أي شيء ، فإن الله جل وعلا تكفّل بجمعه وقرآنه ، تكفّل له بأن يجمعه بصدره فلا ينساه وأن يعينه على أن يقرأه على الناس .

وفي آية أخرى في نفس المعنى يقول الله جل وعلا لنبيه الكريم ( ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يُقضى إليك وحيه ) فلا سبيل إلى أن يجري أي اختلاط بين حقيقة الوحي وبين جملة ما يجيش في صدر النبي عليه الصلاة والسلام من عواطف ومن رغبات ومن اندفاعات . ألم يسأل المشركون صلى الله عليه وسلم جملة من الأسئلة فوعدهم بأن يخبرهم عنها في أمد حدده لهم ؟ هذا معروف ، فماذا كان موقف الوحي ؟ إن الوحي ظل هناك على حياله لا يتأثر برغبة النبي صلى الله عليه وسلم ولا يميل مع أهواء النبي عليه الصلاة والسلام وإنما ظل هو الحقيقة الثابتة التي تشد إليها كل ما في نفس النبي صلى الله عليه وسلم من عواطف ورغبات واندفاعات . إن الله يعلم أن وعدًا قُطع من محمد صلى الله عليه وسلم لهؤلاء المشركين بأن يجيبهم على أسئلتهم ، وإذا تأخر الوعد فإن الله يعلم أي غبار كثيف سوف يثيره المشركون تشكيكًا وطعنًا برسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولكن الوحي ظل على سكوته لم يكترث أبدًا ، ثم جاء بعد انقضاء المدة ، جاء لا ليبدأ بالجواب على أسئلة المشركين ، بل ليبدأ بالعتاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له ( ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدًا إلا أن يشاء الله واذكر ربك إذا نسيت ) هذه الحالة تلفت النظر إلى حقيقة من حقائق التربية الإيمانية تشير إليها الآية التي تلوناها .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت