الوقفة الأولى: كلمة لطلاب العلم أولًا، وأخص المعبرين منهم، لا تنشغلوا بتعبير الرؤيا إلا بمقدار، كما كان يفعل النبي _صلى الله عليه وسلم_، وهذه مسألة، الناس فيها بين إفراط وتفريط، فبعض الأشخاص يرفض أن يعبر الرؤى إطلاقًا، مع أن الله قد أعطاه ملكة التعبير، فأقول له: يا أخي الكريم، مادام أن الله أكرمك بملكة التعبير كما أكرم يوسف، وأكرم محمدًا _صلى الله عليه وسلم_، وأكرم بعض المعبرين عبّر ولا تعتذر، وآخرون جعلوها هي حياتهم، عطلوا كثيرًا من أمور الدعوة وانشغلوا بالتعبير، فهنا إفراط وتفريط والمنهج الحق، وما كان عليه النبي _صلى الله عليه وسلم_ هو الاعتدال في هذا الباب، أن تعبر الرؤيا باعتدال دون أن تكون هي شغلك، وأن تكون كل حياتك، ولكن بحسب المقدار، وحسب الظروف الخاصة بك، واحرص على أن تستخدم تلك الموهبة التي منحك الله إياها في الدعوة إلى الله كما فعل يوسف _عليه السلام_، ولكن على ألا تشغل المجالس بها، فقد وجدت بعض المجالس من أولها إلى آخرها لا هم لأصحابها إلاّ الرؤى!
ثانيًا: .من هذه الوقفات، على المعبر ألا يعبر للمسلم ما يحزنه إلا إذا كان فيه مصلحة، على أن يوجهه التوجيه المناسب دون أن يخبره بالعاقبة المتوقعة، إلا إذا كانت هناك مصلحة راجحة.
فإذا قال قائل: يوسف عبر للرجل ما يحزنه، فذكر له أنه سوف يصلب وتأكل الطير من رأسه، قيل: كان ذلك للمصلحة فقد ذكر بعض أهل العلم أن ذلك كان لأجل أن يتوب الرجل إلى الله _جل وعلا_ وأن يحسن إسلامه؛ لأنه يرى الموت أمامه.
وكذلك فعل الشافعي _رحمه الله_ رأى رؤيا في الإمام أحمد، أرسل له من مصر إلى العراق، وقال له: إنك ستبتلى فهيئ نفسك.
وقد رأيت بعض الناس عبر لهم بعض المعبرين رؤى وأفادوهم بتوقع ابتلاء فهيأوا أنفسهم لذلك.
ثالثًا: وقفة مهمة، هناك من بعض الرؤى ما يكون فيها كشف للأسرار وللمستور، فالمعبر إذا عبرها قد يصل إلى بعض الأسرار الخاصة للرائي أو لأهل بيته، فلا يجوز له أن يحدث بها أحدًا، بل يتق الله في ذلك، فهو مما اؤتمن عليه، إلا إذا ظهرت في إخباره بذلك مصلحة راجحة.
رابعًا: من هذه الوقفات، هناك تلازم بين الرؤيا وتعبيرها وصاحبها، فبعض الناس يعبر الرؤيا من خلال الورق، يذكر أن ابن سيرين _رحمه الله_ جاءه رجل فقال: رأيت أني أؤذن. قال: تحج، فجاءه بعد قليل رجل آخر وهو في مجلسه، قال: رأيت إني أؤذن. قال: تسرق فتقطع يدك. فقال له أصحابه: الرؤيا واحدة والتعبير مختلف، قال: رأيت أن الأول رجل صالح فذكرت قوله _تعالى_:"وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ" (الحج: من الآية27) . والثاني رجل سوء، فذكرت قوله _تعالى_:"ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ" (يوسف: من الآية70) ، فهناك تلازم بين الرائي وبين الرؤيا، وهاتان الأولى: بشارة، والثانية: نذارة، ولذلك عبرها ابن سيرين.
خامسًا: من هذه الوقفات، ومن خلال ما ورد في القرآن والسنة، نجد توافقًا ظاهرا بين الرؤيا وتعبيرها بعيدًا، وأقول: توافقًا لا تطابقًا، فأغلب الرؤى الصالحة تكون واضحة قصيرة جلية. لماذا أقول هذا؟ لأنني أرى بعض المعبرين يصل إلى قضية وكأنه يحلل ألغازًا بعيدة جدًا، وانظروا في الرؤى التي في سورة يوسف، نجد تقاربًا بين الرؤيا وبين تعبيرها. رأيت أحد عشر كوكبًا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين، التعبير أحد عشر ابنًا، والشمس والقمر أبوه وأمه، وهذا الذي حدث. وكذلك رؤيا صاحبي السجن، فيه توافق بين الرؤيا وتعبيرها، كذلك رؤيا الملك، سبع البقرات السمان وسبع البقرات الهزيلة، نرى فيه توافقًا بين السنوات السمان وبين اليسر، وهذا مما يلحظ في حديث عبد الله بن سلام _رضي الله تعالى عنه_، وغيرها من الرؤى التي وردت عن النبي _صلى الله عليه وسلم_، ورؤيا إبراهيم"إني أرى في المنام أني أذبحك"، أما أن تتحول الرؤى إلى ألغاز وأسرار، ففي النفس من ذلك شيء.
سادسًا: التعبير باب من أبواب الفتنة، فليحذر المعبرون من ذلك، وإياكم أن تستغلوا تعبير الرؤى للوصول إلى أسرار الناس دون الحاجة إلى ذلك، فبعض المعبرين إذا جاءه من يقص عليه رؤيا بدأ يسأله أسئلة خاصة، والرائي يجيب على كل الأسئلة، يتصور أن لها علاقة بالرؤيا، والمعبر يعرف أن لا علاقة لها بالرؤيا، بل يريد أن يتوصل إلى أمور سولها له الشيطان، فلينتبه المعبرون لذلك وليتقوا الله _جل وعلا_.
سابعًا: من هذه الوقفات خطورة التعبير في الإذاعة والصحف والإنترنت وسائر وسائل الإعلام، لما في ذلك من مفاسد ظاهرة تجعل التعبير ظاهرة عامة، كما يحدث في بعض المجالس، والواجب أن يعتدل في هذا الجانب، وقد أصبح التعبير الآن باب دعاية لوسائل الإعلام، يحكى فيها ولا يعلم الصادق من الكاذب. وأنصح الناس ألا يلجؤوا إلى هؤلاء الذين يعبرون عبر الهاتف، وفي وسائل الإعلام ممن لا يعرفون بتقواهم ولا بورعهم ولا بعلمهم، بل يحذر من هؤلاء، فإن كثيرًا منهم قد لا يكون على الحق.