حديث أبي ذر رضي الله عنه قال سألت النبي صلى الله عليه وسلم أي العمل أفضل قال إيمان بالله وجهاد في سبيله قلت فأي الرقاب أفضل قال أعلاها ثمنا وأنفسها عند أهلها ..الحديث متفق عليه .
وحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال سئل النبي صلى الله عليه وسلم أي الأعمال أفضل قال إيمان بالله ورسوله قيل ثم ماذا قال جهاد في سبيل الله قيل ثم ماذا قال حج مبرور. متفق عليه .
وحديث ابن مسعود رضي الله عنه سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت يا رسول الله أي العمل أفضل قال الصلاة على ميقاتها قلت ثم أي قال ثم بر الوالدين قلت ثم أي قال الجهاد في سبيل الله فسكت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو استزدته لزادني . متفق عليه .
وأشباهها كثير ….
ولذا لما أعتقت ميمونة رضي الله عنها وليدة في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك متفق عليه .
وهذا يجعلنا نؤكد على الفقه لمقاصد الشرع في العبادة المحضة وفي كل عمل ،والنظر للأمر من جميع جوانبه فالعتق عبادة عظيمة وفيه فضل وثواب كبير ولكن لما عارضه ما هو أولى منه وهو حاجة الأقارب إلى ذلك الرقيق صار المصير إليه أعظم أجرًا .
وخلاصة ما تقدم: أن من الناس من يفتح له في باب العلم فيكون من أهل الرسوخ فيه ، ومنهم من يفتح له في باب العبادة ، ومنهم من يفتح له في باب الجهاد .... وهكذا .
وحديث أبي هريرة السابق ظاهر البيان في تأكيد هذا المعنى ، وأن من الناس ـ وهم قلة ـ من يوفقه الله فيجعل له في كل باب سهمًا ، ومثاله من الرعيل الأول أبو بكر رَضِيَ الله عَنْهُ وأرضاه ، ولا يعني هذا نفيه عن طائفة من الصحابة لا سيما العشرة المبشرين بالجنة رَضِيَ الله عَنْهُم ، بيد أنه كان أبرزهم في أخذه بمجامع تلك السبل من الخير .
ومن أمثلته في هذا العصر ـ فيما أحسب ولا أزكي على الله أحدًا ـ شيخنا الإمام ابن باز عليه الرحمة والمغفرة .
فإذًا ... قد يبرز المسلم في باب من هذه الأبواب، وهذا من طبيعة البشر أن يُعرف بما يكثر منه ويهتم به ، وقديمًا قيل: من أكثر من شيء عرف به .
ولكن لا بد هنا من شرط لازم هو الأخذ بالواجب في كل باب، وإنما تبقى المنافسة التي تؤهله لدخول باب ذلك الخير في الجنة في نوافل ذلك الباب لا في واجباته ، فإن الواجب يشترك فيه الجميع .
ولقائل أن يقول: إذًا فالتصنيف حاصل فالتسمية بـ (شباب الجهاد ) إنما حمل عليها ما عرفوا به من اهتمام بهذا الباب من أبواب الخير ؟! .
والجواب: أن هذا لا غبار عليه، لو كان مقتصرًا على منافستهم في نوافل هذا الباب، ولكنك في الواقع تجد أن تصنيف شباب الجهاد يعني أن غيرهم لا يهتم بهذا الباب ؛ بل ربما لا يعرف حتى الواجب فيه . فكأنهم صاروا هم القائمين بهذا الواجب العيني ، وغيرهم قد قصروا فيه ، وهذا لا شك أنه لا يقر ، أعني التقصير فيما وجب من هذا الباب ( الجهاد ) ، ولذا فعلينا أن نكون جميعًا من أهل الجهاد من هذه الحيثية ، لأن الواجب من كل باب لا يعذر أحد في التقصير فيه كما تقدم ، وإنما الاختيار فيما زاد على الواجب ، فليس الاعتراض على ذات التسمية ، وإنما الاعتراض على الخلفية والملابسات التي انطلقت منها التسمية .
ولعلك تسأل: وما الواجب في باب الجهاد ؟ .
فأقول: ليس هذا موضع تفصيله ، ولكن ثم ما يمكن التنبيه عليه مما يجب في هذا الباب .
فمن ذلك وهو أوله: الإعداد قال الله تعالى: { وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم } . وقال الله تعالى: { ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين } ففي ترك الإعداد للجهاد تشبه بالمنافقين .
ولذا قال عليه الصلاة والسلام:"من مات ولم يغز ولم يحدث به نفسه مات على شعبة من النفاق"أخرجه مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر يقول وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ألا إن القوة الرمي ألا إن القوة الرمي ألا إن القوة الرمي . أخرجه مسلم .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في الفتاوى (28/259) : ( يجب الاستعداد للجهاد بإعداد القوة ورباط الخيل في وقت سقوطه للعجز ، فإن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ) .
وهذا الإعداد يجب منه على كل أحد بحسبه ، وتختلف نوعًا ما باختلاف الحال والشخص ويُرجع إلى أهل الخبرة في هذا الشأن .
ومن ذلك ما يجب من الجهاد عينًا في الأحوال التي ذكرها أهل العلم كاستنفار الإمام ، واستيلاء العدو على أرض المسلمين ، وحضور الصف ، ونحو ذلك .