فهرس الكتاب

الصفحة 23494 من 27345

(مثلك يسأل عن هذا ؟ أفضل ما يتقرب به العبد إلى الله أن يطلع على قلبك وأنت لا تريد من الدنيا والآخرة غيره)

وأبو سليمان لا يتجافى بهذا مع فضيلة سؤال الله الجنة والاستعاذة من النار، إذ أن المؤمن مبتغاه مرضاة الله .. والجنة مظهر الرضا .. كما أن النار ـ والعياذ برضاه سبحانه ـ مظهر الغضب .. وفيما ذهب إليه أبو سليمان في جواب هذا السائل ، دعوة إلى تصفية النفس من الرياء وحب الظهور... فكثيرًا ما يؤتى العابد التقي من هذا الباب ... حين يرى أنه على شيء أو يقع في شرك الرياء والرغبة في أن يراه العباد على ما هو عليه من الطاعة والتقوى ... أما إذا كان لا يريد من الدنيا والآخرة غير الله ... فذلكم هو صدق الدعوى .. وعنوان سلامة العمل ، وطريق القبول إن شاء الله وموطن ذلك كله هو القلب ... فلابد من العناية به ... والعمل على جلائه ليصفو من المكدرات ... ويكون محط عطاء الله وتجلياته ... وهل ذلك من أبي سليمان رحمه الله .. إلا بعض مما يوحي به النبي صلوات الله وسلامه عليه:"ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب"...

ومن هنا خرج علينا أبو سليمان بتعريف للزهد تعريفًا يربطه بالمعاني القلبية لما أنه لابد أن يكون نابعًا من القلب فهو سمة من أعمال القلوب .. قال رضي الله عنه:

(اختلفوا علينا في الزهد بالعراق فمنهم من قال: الزهد ترك لقاء الناس ، ومنهم من قال: في ترك الشهوات ، ومنهم من قال: في ترك الشبع . وكلامهم قريب بعضه من بعض) ... ثم قال رحمه الله: (وأنا أذهب إلى أن الزهد في ترك ما يشغلك عن الله) .

وماذا عن الدنيا وأحابيلها في نظر أبي سليمان ؟ إنه يحذر بلغة الواثق المطمئن حين يقول:

(الدنيا تطلب الهارب منها ، فإن أدركته جرحته ، وإن أدركها الطالب لها قتلته)

والدنيا كما هي على حقيقتها في فهم هؤلاء الرجال تتجاوز في مدلولها أن تكون مالًا وولدًا فحسب .. بل هي أوسع من ذلك فكم لها من سلطان وصولجان في ميادين الحياة ، والشهرة ، وحب السيطرة والظهور وأن يقال عن المرء كذا ... ويذكر بكذا .. إلخ . من أجل ذلك وفي ضوء هذا الشمول نقل عنه أحمد بن أبي الحواري قوله:

(واحزناه على الحزن في دار الدنيا)

وواضح أن ما يحزن منه أبو سليمان هو الحزن على أمر من أمور الدنيا أما الحزن المتعلق بالآخرة فذلك محمدة للمؤمن ولا ريب أنه من خلال المتقين .. وقد نقلت إلينا كتب الشمائل أن ذلك كان من صفات النبي صلوات الله وسلامه عليه إذ كان حزنه في قلبه وبشره في وجهه .

وفي توجيه لأولئك السالكين الذين يسيرون على درب تزكية النفس والتزهد في الدنيا .. ولكن تنتابهم تلك اللحظات من الضعف فيقعون في شرك الغفلة .. ويأتيهم الشيطان من طريق الشهوة وحب الدنيا قال أجزل الله مثوبته:

(يلبس أحدهم عباءة قيمتها ثلاثة دراهم ونصف ، وشهوته في قلبه خمسة دراهم !! أو ما يستحي أن تجاوز شهوته لباسه؟ ... قال أبو سليمان: وإذا لم يبق في قلبه من الشهوات شيء ، جاز له أن يتدرع عباءة ويلزم الطريق ، لأن العباءة علم من أعلام الزهد ، ولو أنه ستر زهده بثوبين أبيضين بخلطة الناس كان أسلم له) .

إن أبا سليمان يريد ما هو أكمل وأكثر اتساقًا مع النهج الإسلامي القويم !! إنه يدعو هذا المتزهد الذي غلبت شهوته في قلبه ، مظهره على جسمه إلى أن يستر زهده بثوبين أبيضين بخلطة الناس .. فذلك أسلم له ... لما أن ذلك دليل الصدق أولًا ... وآية أن المسلم الحق هو الذي يملك القدرة على الخلطة ـ في حدود الشريعة ـ مع اليقظة ، والبعد عن الانزلاق فيما لا تحمد عقباه ..

ولكم يخاف أبو سليمان على هذا القلب ... يخاف عليه أن يلتقمه حب الدنيا ... فيكون ذلك إضرارًا بآخرة صاحبه ... إنه لا ضير أن تكون الدنيا بيد المؤمن يستعين بها على مرضاة الله ويسخرها لخدمة نفسه وأهله وأمته ولكن الرزية أن تكون الدنيا في القلب هوى وحبًا ولهفة وتلك هي الطامة الكبرى ... لأن القلب إما أن يكون للدنيا وإما أن يكون للآخرة . قال أحمد بن أبي الحواري: سمعت أبا سليمان يقول:

(إذا جاءت الدنيا إلى القلب ترلحت الآخرة عنه ، وإذا كانت الدنيا في القلب لم تجيء الآخرة تزحمها ، لأن الدنيا لئيمة والآخرة عزيزة) .

رحمك الله يا أبا سليمان ... وسقى ثراك بوابل رضوانه ... بما قدمت لهذه الأمة من طيب الكلمة وكريم السلوك . وصدق الله جل ثناؤه إذ يقول:

[والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين] . (1)

الهوامش:

•"حضارة الإسلام"السنة 18 العدد 8 شوال 1395 تشرين الثاني 1975 .

الهوامش:

*حضارة الإسلام -س18-ع8- شوال 1395 -تشرين الثاني 1975.

(1) سورة العنكبوت: 69

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت