فهرس الكتاب

الصفحة 25440 من 27345

وتدنو ثمار المدينة ويشتد الحر، ويبتلي الله من يشاء من عباده، و يخرج صلى الله عليه وسلم ويستخلف على أهل بيته عليًا رضي الله عنه، ويخيم صلى الله عليه وسلم في ثنية الوداع و معه ثلاثون ألفًا، و يأتي المنافقون الذين لا يتركون دسائسهم و إرجافهم على مر الأيام، يلاحقون أهل الخير والاستقامة، يلمزون ويهمزون ويتندرون ويسخرون، سخر الله منهم، و يستهزئون، و الله يستهزئ بهم.

و قبل مسيره صلى الله عليه وسلم تقوم فرقة للصَدِّ عن سبيل الله، تُثبِّط الناس بعد أن اجتمعوا في بيت أحدها، تقول- و هي تزهد في الجهاد-: لا تنفروا في الحَرِّ، تشكك في الحق، وترجف برسول الحق، ويتولى الحق الرد: وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ [81] } [سورة التوبة] .

هم في مؤامرة الصَدِّ عن سبيل الله، ويأمر صلى الله عليه وسلم بإحراق البيت عليهم، ويُنَفِّذُ ذلك الأمر طَلْحَةُ، فيقتحمون الأسوار خوفًا من نار الدنيا، فتنكسر رِجل أحدهم، و يفِرُّ الباقون، و يَعِزُّ جُنْد الحق رغم أنوفهم، و يخيب كل منافق خَوَّان . ويتوجَّه صلى الله عليه وسلم و يمر بديار ثَمُود، ديار غضب الله على أهلها، فتلك بيوتهم خاوية، و آبارهم معطَّلة، و أشجارهم مقطَّعة، فيدخلها وقد غطَّى وجهه، وهو يبكي، ويقول لجيشه: [لَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلَاءِ الْمُعَذَّبِينَ إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ لَا يُصِيبُكُمْ مَا أَصَابَهُمْ] رواه البخاري ومسلم .

يا لله ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍!! هذه أرض سكنها الظَلَمَة، فقولوا لي بالله .. فيمن يجالس الظَلَمَة، و يؤيد الظَلَمَة، و يركَن إلى الظَلَمَة، و يكون لهم أنيسًا و لسانًا و صاحبًا.. كيف يكون حاله؟! ألا يخاف أن يغضب الله عليه ؛ فيأخذه أخذ عزيز مقتدر: وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ... [113] } [سورة هود] .

لازال صلى الله عليه وسلم في طريقه إلى تَبُوك، قد بلغ به الجوع والتعب والإرهاق مبلغًا عظيمًا، لكن في سبيل الله يهون، و مع السَّحَرِ ينام من التعب على دابَّتِه حتى يكاد يسقط- كما في صحيح مسلم- فيقترب منه أبو قتادة، فيَدْعَمَه بيده حتى يعتدل، ثم يميل مَيلةً أخرى، فيدعمه أبو قتادة حتى يعتدل، ثم يميل مَيلة أشَدَّ من المَيلتين الأُولَيين، حتى كاد يسقط، فيدعمه بيده، فيرفع رأسه- صلى الله عليه وسلم- و يقول: [ مَنْ هَذَا] قال: أنا أبو قتادة، فيُكَافِئَه صلى الله عليه وسلم، فبمَّ كافأه ؟ قال: [ حَفِظَكَ اللَّهُ بِمَا حَفِظْتَ بِهِ نَبِيَّهُ] . يقول أهل العلم: فوالله مازال أبو قتادة محفوظًا بحفظ الله في أهله وذريته ما أصابهم سوء حتى ماتوا، وهذا درس عظيم، فإن من حفظ الله؛ حفظه الله فلا خوف عليه، إن صنائع المعروف تقي مصارع السوء .

وينتهي المسير بمحمد صلى الله عليه وسلم إلى تبوك، ويقيم بضع عشر ليلة ويدنو من الروم ويفزعهم، ويكاتب رسلهم، و يفرض عليهم الجزية، و هم صاغرون، ولم يلق كيدًا منهم؛ لأن الله قد نصره بالرعب مسيرة شهر، فلم يقرب إليه الروم خوفًا وفزعًا، وقد كانوا قبل قد عزموا على غزوه في عقر داره: إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا [15] وَأَكِيدُ كَيْدًا [16] فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا [17] } [سورة الطارق] .

ويرسل صلى الله عليه وسلم خالدًا على رأس أربعمائة مجاهد في سبيل الله إلى أُكيْدِر ملك دومة الجندل، و يخبر صلى الله عليه وسلم خالدًا أنه سيلقاه يصيد بقر الوحش، خرج خالد، ولما بلغ قريبًا من حصنه، وجده قد خرج للصيد كما أخبر، فتلقته خيل الله بقيادة خالد، فاستأسرته، واستلب خالد منه قميصًا مخوصًا بالذهب، و بعث به إلى رسول الله قبل قدومه عليه، فجعل المسلمون يتعجبون منه، فقال صلى الله عليه وسلم- مُزهِّدًا لهم في زخرف الدنيا-: [ أَتَعْجَبُونَ مِنْهَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَمَنَادِيلُ سَعْدٍ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنْهَا] رواه البخاري ومسلم. قدم خالد بالأكيدر، وحقن دمه صلى الله عليه وسلم و ضرب عليه الجزية، ولكنه مجرم، ولو علم الله فيه خيرا لأسمعه، نقض العهد في عهد أبي بكر، فقتله خالد رضي الله عنه وأرضاه. وهكذا نصر الله جنده وأولياءه ورسله وعباده في الحياة الدنيا، وينصرهم يوم يقوم الأشهاد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت