فهرس الكتاب

الصفحة 26831 من 27345

فالصحابة رضي الله تعالى عنهم أتباع النبي صلى الله عليه وسلم حقاً أشداء على الكفار رحماء بينهم ، لا أشداء على أنفسهم رحماء على الكفار ، بل كانوا عباداً قائمين راكعين ساجدين ، متحابين متعاطفين متراحمين ،ولم يكونوا متكلمين متشدقين يقولون ما لا يفعلون ، ويفعلون ما لا يؤمرون ،بل بلغت المحبة فيهم أنهم كانوا يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة كما في قوله تعالى: ( وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) . الحشر -9 .

فأين هذه الفرق من هذا الوصف ؟ أين هي من قوله صلى الله عليه وسلم: ( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ) . مسلم

أين هي من قوله صلى الله عليه وسلم: ( المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة ) . البخاري

أجل أين هذه الفرق التي ملئت المعمورة من هذه النصوص الثابتة المحكمة التي لا يفهم منها إلا ظاهرها ، أين هي من الأخوة الإيمانية الصادقة التي تربطها العقيدة ، ألم يقل الله تعالى في حق المؤمنين: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) . الحجرات -10 .وإنما أداة حصر تفيد القصر ، فهل حقاً هذا هو مثل المؤمنين هذا الزمان ؟ أهذا هو مثل الفرق الإسلامية ؟ هل التعاون قائم بينها استجابة لقول الله تعالى: (وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) . المائدة -2 .

كلا ورب الكعبة قد انسلخت هذه الفرق عن هذه الصفات إلا فيما يتعلق بمصالحها وعلاقاتها بأفرادها ،ولا يخفى الحال على كل مستبصر واقع الأمة بعين العقل والإيمان ،وإنما يخفى على من أعمت العصبية الحزبية بصيرته وطبع الحقد والحسد على قلبه وأصبح ينظر إلى غيره بعين الكبر والاستعلاء فالله نشكو حالنا وما ألم بنا ، ومن هنا ندرك أهمية وحدة الصف ، والتعاون البناء بين المؤمنين لذا نجد كتاب ربنا سبحانه يشدد على التفرق والاختلاف ويبن عواقبه ومصير أصحابه قال تعالى: (وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ) . آل عمران -103 .فهذا خطاب من الله سبحانه للمؤمنين كل المؤمنين وهو خطاب عام يأمر الله سبحانه به المؤمنين أن يعتصموا بحبله جميعاً ولا يتفرقوا ،ويذكرهم بما كان منهم في الجاهلية من عصبية وقبلية وكيف أنعم عليهم بنعمة الإيمان التي أخرجت منهم العصبية النتنة وأدخلتهم في الإيمان الذي يؤاخي بين المؤمنين ويرفع منهم العصبية وكل مظاهر الجاهلية ثم يشدد عليهم بعد ذلك لأن لا يتبعوا اليهود والنصارى فيقعوا بما وقعوا فيه: (وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) . آل عمران -105 . وقد حذر الرسول صلى الله عليه وسلم أمته من التفرق والاختلاف وأمرهم بلزوم الجماعة في كثير من الأحاديث الصحيحة منها ما رواه ابن عمر رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله لا يجمع أمتي أو قال أمة محمد صلى الله عليه وسلم على ضلالة ويد الله مع الجماعة ومن شذ شذ إلى النار ) .وفي حديث آخرعن ابن عمر رضي الله تعالى عنه قال: ( خطبنا عمر بالجابية فقال يا أيها الناس إني قمت فيكم كمقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فينا فقال أوصيكم بأصحابي ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يفشو الكذب حتى يحلف الرجل ولا يستحلف ويشهد الشاهد ولا يستشهد ألا لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة من سرته حسنته وساءته سيئته فذلكم المؤمن ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت