فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
فإذا لم يراع المتحدث أو الكاتب هذا أحدثت عباراته للناس فتنًا، وأوقعته في الريبة مع سلامة قصده، وفتحت عليه من نوافذ النقد ما لا قبل له به.
من خصائص لغة العصر:
يتمخض عن تلاطم الأفكار والثقافات المختلفة قناعات ومفاهيم عند السواد الأعظم من الناس، وهذه المفاهيم قد تكون صحيحة، وقد لا تكون لأنها لا ترتكز في أكثر الأمر على حقائق موضوعية بقدر ما تنبع من قوة الفعاليات على الساحات الثقافية والفكرية، وهذه القناعات تشكل مفردات التركيب الذهني لدى الناس، مما يجعل امتصاصهم للمعلومات التي يطلعون عليها ذا سمات خاصة تنسجم مع ذلك التركيب.
وحينئذ فإن الداعية مطالب بمعرفة تلك القناعات والمفاهيم، كما أنه مطالب بتحسس التركيب الذهني السائد في عصره حتى يخاطب الناس بلسانهم، ومن هذه الخصائص: أ- اعتماد الإحصاء بدلًا عن الفلسفة:
كانت الفلسفة تسمى ملكة العلوم، وذلك بسبب تأثير منهج أرسطو في منحنيات الفكر البشري ومساراته، وقد كان الناس إلى عهد قريب يسمون من أوتي فيهم مقدرة خاصة على التعبير بـ (الفيلسوف) ، بل إن بلدًا مثل بريطانيا مازال يستخدم كلمة (فلسفة) في شهادات التخصصات العليا لديه.
وقد تأثر الفكر الإسلامي قديمًا بالمنطق الأرسطاليسي، وتسربت مقولاته وأقيسته إلى كثير من كتب الأصول والفقه والعربية، بل والعقيدة.
ذلك الفكر الذي لا يقيم للتجربة أدنى وزن، ومن الطرائف المتناقلة في هذا: أن أرسطو كان يزعم أن أسنان الرجل أكثر من أسنان المرأة! ولو أن زوجته فتحت فمها وعدَّ أسنانها لعرف أن زعمه حديث خرافة..
وقد أدركت أوربة في أوائل عصر نهضتها ألا نهضة ولا تقدم قبل نبذ الفكر الأرسطي القياسي، ثم الاتجاه إلى التجريب لتتويجه ملكًا على العلوم المادية، ومن ذلك اليوم بدأت قناعات الناس تنحو منحى لغة الرقم لاستفتائها والبناء عليها، وهذه نقطة إيجابية إذا أحسنا التعامل معها، ولكن كثيرين منَّا مازالوا غير واعين لهذه الحقيقة، مما يجعلهم يستمرون في سوق الحجج العقلية مع توفر أرقام واقعية تدعم قوله، وتؤيده، فعلى سبيل المثال: فإن تقديم نماذج واقعية ذات أرقام محددة على ما يكن أن ينتج من الأمن والرخاء نتيجة تطبيق الحدود والنظام الاقتصادي الإسلامي - أجدى وأنجع بكثير من سرد مجلدات من العلل والحجج العقلية التي تشرح فوائد الالتزام بالإسلام، أو تلك التي توضح سلبيات الربا وتطبيق القوانين الوضعية.
ومن المفيد هنا أن نقول: إن أرسطو أنشأ فن الجدل ليسد الثغرات التي يتركها الاستقراء الناقص للأحداث والأفكار؛ كما أنشئت فلسفة التاريخ فيما بعد لتسد النقص في التفاصيل التاريخية، أما اليوم فقد أضحى الإحصاء إحدى أهم سمات عصرنا البارزة، مما يسهل استخدامه حتى نخفف من الجدل والمماحكات اللفظية العقيمة.