هذا القرآن يجب أن نعطيه ما يستحق ، ومن الظلم البين له أن ننزل على حكم الضرورات ، فنستخف به ، بصياغته بمعانيه بإيحاءاته ، إن على الناس جميعًا أن يبذلوا من ذات أنفسهم كي يتعرفوا على كلام الله ، وإذا قصرت بالإنسان وسائله في بعض الأحيان فليس من المنطق ـ كلا ولا من الوفاء لهذا لدين ـ أن نتنازل لنتساوق مع إمكانيات الناس ، ولكن نحن نستنهض الهمم كي يستدرك بعض الناس ما ينبغي لهم أن يُعدّوه من أنفسهم من أجل أن يفقهوا كتاب الله تعالى .
وآلم شيء إلى نفسي أن أضطر في بعض الأحيان إلى خوض بعض الدقائق اللغوية وأسرار البيان ، فأنا وأنتم نعرف المؤامرة الرهيبة التي صُنعت لاغتيال هذه اللغة ، من المؤسف أن الجامعات في الدنيا تدرس اللغات الميتة ، لغات لا يتحدث بها اليوم ، تحي من آدابها وتنشر من روائعها وتحاول الإفادة منها . ولكن لغة العرب تعيش في وسط هذه المؤامرة القاتلة ، لا لشيء إلا لأنها لغة القرآن ، وإلا لأن هؤلاء الأعداء والخصوم أدركوا ما آثر الإخوة المتقدميون أن ينسوه ، أدركوا أن الوفاء للعروبة عضّ بالنواجز على الإسلام ، وأن الحرص على اللغة فقه في دين الله تبارك وتعالى ، وأن الإنسان الذي يتنكر للإسلام فآخر إنسان يستحق شرف الانتماء للأمة العربية ، وأن الإنسان الذي يستعجم لسانه بلغة القرآن آخر من يتصدّ لتعليم الناس المبادئ القومية ، هذا المعنى الذي نسيه وأسقطه إخواننا التقدميون مع الأسف ، أدركه خصوم الأمة وأعداؤها ، وعلموا أن أي إنهاض للسان العربي فهو إنهاض بالضرورة لهذا الإسلام ، لأن الرابطة بين القرآن وبين لغة العرب رابطة لا تنفصل ، والوشيجة التي تربط العرب إلى الإسلام وشيجة لا تضعف ولا تنحل ، لأن العرب يحتل الإسلام منها محل القلب من الجسد ، محل الروح من الكيان الحي . مع ذلك فلا بد لنا من أن نقف في الآن بعد الآن ولو على سبيل لفت النظر عند بعض الدقائق اللغوية وأسرار البيان ، لكي ننادي إخواننا الذي يرغبون في فهم كلام الله تعالى ، أن يستحضروا العدة لذلك ، من التعرف على أساليب العرب في الخطاب ، وأنه لا وفاء للإسلام أبدًا إذا قصّر المسلمون في فهم كلام الله تعالى .
نعود الآن إلى ما مضى أن قلناه من قبل ، مع أن منادح القول في هذا واسع ، ولكن نمضي مع السورة .
يقول الله تعالى ( سبح اسم ربك الأعلى ) وأول ما يلفت النظر في هذه الآية لفظان ، لفظ الرب ولفظ الأعلى ، ومعلوم لكل من قرأ القرآن ولو قراءة سطحية أن الرب جل وعلا وصف نفسه بأوصاف متعددة في القرآن الكريم ، ووصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأوصاف ، وأحصاه عليه الصلاة والسلام في حديث الذي قال فيه: إن لله تسعة وتسعين اسمًا مائة إلا واحدة . وترد هذه الأوصاف في القرآن متغايرة ومتباينة ، القارئ العادي يقرأها دون أن يحس ما يعنيه الفرق بين استعمال الوصف هنا واستعماله هناك . في الحقيقة الأوصاف الإلهية والأسماء الحسنى تعبر عن حقائق ، وحينما تنزّل صفة من الصفات الإلهية ، أو يُنزّل اسم من أسماء الله في مكان ما من سورة ما من آية ما ، فعلى قارئ القرآن أن يعرف مجمل الجو لكي يدرك لماذا اختير الوصف ولم يُختر وصف آخر ؟ فكلمة الرب هنا لو أنك قرأتَ فواتح السورة لأدركتَ أنها الوصف الذي لا يصلح غيره في هذا المكان ، اسمع ( سبح اسم ربك الأعلى ، الذي خلق فسوى ، والذي قدّر فهدى ، والذي أخرج المرعى ، فجعله غثاءً أحوى ) سأترك لكم إعطاء الحكم النهائي قليلًا كي نتعرف على على المسألة شيئًا فشيئًا .