فهرس الكتاب

الصفحة 1434 من 27345

ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «وهكذا تجد كل أهل المقالات وأهل الأعمال الفاسدة ـ وإبليس إمام هؤلاء كلهم ـ فإنه اتبع قياسه الفاسد المخالف للنص، واتبع هواه في استكباره عن طاعة ربه - تعالى -.... (إلى أن قال) : وإنما المقصود هنا التنبيه على هذا الأصل، وهو أن من أعرض عن هدى الله علمًا وعملًا فإنه لا يحصل له مطلوب ولا ينجو من مرهوب، بل يلحقه من المرهوب أعظم مما فر منه، ويفوته من المطلوب أعظم مما رغب فيه. وأما المتبعون لهداه فإنهم على هدى من ربهم، وهم المفلحون الذين أدركوا المطلوب، ونجوا من المرهوب» ا. هـ باختصار (5) .

بعض الأصول المهمة في الإيمان:

ولعلنا نبدأ بذكر أهم الأصول في باب الإيمان وهي على وجه الإجمال كما يلي:

الأصل الأول: أن الألفاظ التي جاء تفسيرها وبيانها في القرآن والسنة لا يجوز أن تُعارَض بأقوال أهل اللغة وما تستعمله العرب من شواهد، ومن هذه الألفاظ لفظ الإيمان والإسلام والكفر والنفاق والشرك؛ فهذه ألفاظ قد ورد في الشرع ما يبين معناها بجلاء ووضوح، فلا يسوغ لمحتج مثلًا أن يحتج بأن معنى الإيمان في اللغة التصديق، فنقول: هذا قد يقبل لو أن الشارع لم يبين لنا معنى الإيمان، أما وقد جاء في لفظ الشارع ما يبينه فلا نحتاج إلى أن نقصره على هذا المعنى اللغوي؛ إضافة إلى أنه حتى في اللغة ليس مقصورًا على هذا المعنى بل يشمل التصديق وزيادة، والتصديق في لغة العرب لا يقتصر على القلب بل يشمل حتى التصديق باللسان والجوارح (6) .

يقول شيخ الإسلام: «ومما ينبغي أن يعلم أن الألفاظ الموجودة في القرآن والحديث إذا عُرف تفسيرها وما أُريد بها من جهة النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يحتج في ذلك إلى الاستدلال بأقوال أهل اللغة ولا غيرهم؛ ولهذا قال الفقهاء: الأسماء ثلاثة أنواع: نوع يعرف حده بالشرع كالصلاة والزكاة، ونوع يعرف حده باللغة كالشمس والقمر، ونوع يعرف حده بالعرف كلفظ القبض ولفظ المعروف في قوله: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء: 19] ونحو ذلك.... واسم الإيمان والإسلام والنفاق والكفر هي أعظم من هذا كله؛ فالنبي - صلى الله عليه وسلم - قد بين المراد بهذه الألفاظ بيانًا لا يُحتاج معه إلى الاستدلال على ذلك بالاشتقاق وشواهد استعمال العرب ونحو ذلك؛ فلهذا يجب الرجوع في مسميات هذه الأسماء إلى بيان الله ورسوله؛ فإنه شاف كاف، بل معاني هذه الأسماء معلومة من حيث الجملة للخاصة والعامة، بل كل من تأمل ما تقوله الخوارج والمرجئة في معنى الإيمان علم بالاضطرار أنه مخالف للرسول ويعلم بالاضطرار أن طاعة الله ورسوله من تمام الإيمان، وأنه لم يكن يجعل كل من أذنب ذنبًا كافرًا، ويعلم أنه لو قدر أن قومًا قالوا للنبي - صلى الله عليه وسلم: نحن نؤمن بما جئتنا به بقلوبنا من غير شك، ونقر بألستنا بالشهادتين إلا أنَّا لا نطيعك في شيء مما أمرت به ونهيت عنه؛ فلا نصلي ولا نصوم ولا نحج ولا نصدق الحديث ونؤدي الأمانة هل كان يتوهم عاقل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول لهم: أنتم مؤمنون كاملو الإيمان، وأنتم من أهل شفاعتي يوم القيامة، ويُرجى لكم أن لا يدخل أحد منكم النار؟ بل كل مسلم يعلم بالاضطرار أنه يقول لهم: أنتم أكفر الناس بما جئت به، ويضرب رقابهم إن لم يتوبوا من ذلك.. » ا. هـ. بتصرف واختصار (1) . ومما يتمم هذا الأصل أنه لا يجوز كذلك أن يحمل كلام الله ورسوله على وفق مذهبه إن لم يتبين مراد الله ورسوله؛ وفي هذا يقول شيخ الإسلام: «وليس لأحد أن يحمل كلام الله ورسوله وفق مذهبه، إن لم يتبين من كلام الله ورسوله ما يدل على مراد الله ورسوله، وإلا فأقوال العلماء تابعة لقول الله ـ - تعالى - ـ ورسوله... فإذا كان في وجوب شيء نزاع بين العلماء، ولفظ الشارع قد اطَّرد في معنى لم يجُز أن ينقض الأصل المعروف من كلام الله ورسوله بقول فيه نزاع بين العلماء» ا. هـ. باختصار (2) .

فالشاهد مما تقدم أن الأصل في معرفة هذه المسائل والأصول الكبار يرجع فيها إلى ما فسره الله ورسوله من خلال جمع النصوص الشرعية. ومن نظر في معنى الإيمان في النصوص الشرعيه وجده يشتمل على القضايا الثلاث الكبرى التي أجمع عليها أهل السنة والجماعة وهي أن الإيمان قول، وعمل، واعتقاد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت