الأصل الثاني: أن الإيمان ثلاثة أجزاء لا يغني واحد عن الآخر، بل لا بد من الإتيان بها جميعًا، والمقصود أنه لا بد أن يكون المسلم معتقدًا الإيمان بالله في قلبه ناطقًا بلسانه مصدقًا لذلك بما يعمله من أعمال صالحة؛ فإذا تخلف واحد من هذه الثلاثة فلم يأت به مطلقًا لا يصح أن يكون مؤمنًا، وقد تواتر تقرير هذا عن سلف الأمة، وأن الإيمان يقوم على هذه الثلاث، يقول الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام: «فوجدنا الكتاب والسنة يصدقان الطائفة التي جعلت الإيمان بالنية والقول والعمل جميعًا» ا. هـ (3) . يقول الإمام الشافعي - رحمه الله - في كتاب الأم في باب النية في الصلاة: «وكان الإجماع من الصحابة والتابعين من بعدهم ومن أدركناهم يقولون: الإيمان قول وعمل ونية لا يجزئ واحد من الثلاثة إلا بالآخر» ا. هـ. (4) . ويقول الإمام الآجري: «باب القول بأن الإيمان تصديق بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بالجوارح، لا يكون مؤمنًا إلا بأن تجتمع فيه هذه الخصال، (ثم قال) : اعلموا ـ رحمنا الله وإياكم ـ أن الذي عليه علماء المسلمين: أن الإيمان واجب على جميع الخلق، وهو تصديق بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالجوارح، ثم اعلموا أنه لا يجزئ المعرفة بالقلب والتصديق إلا أن يكون معه الإيمان باللسان نطقًا، ولا تجزئ معرفة بالقلب ونطق اللسان حتى يكون عمل بالجوارح؛ فإذا كملت فيه هذه الخصال الثلاث كان مؤمنًا، دل على ذلك القرآن والسنة وقول علماء المسلمين.. » ا. هـ. ثم ذكر الأدلة (5) .
وعليه فالذين أخرجوا الإيمان عن مسمى الأعمال مخالفون للكتاب والسنة وإجماع علماء الأمة، وليس المجال هنا لسرد النصوص المتواترة والمتضافرة التي تبين أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان، وأنها حين تتخلف بالكلية فإن الإيمان ينتقض.
الأصل الثالث: أن الإيمان يتجزأ ويتبعَّض، وأنه شُعَب كما أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم: «الإيمان بضع وسبعون شعبة» (6) ؛ وعليه فإن الشخص الواحد يجتمع فيه طاعة ومعصية، وإيمان وفسق. وأصل ضلال أهل البدع أنهم جعلوه شيئًا واحدًا. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «وأصل نزاع هذه الفرق في الإيمان، من الخوارج، والمرجئة، والمعتزلة، والجهمية، وغيرهم، أنهم جعلوا الإيمان شيئًا واحدًا، إذا زال بعضه زال جميعه، وإذا ثبت بعضه ثبت جميعًا، فلم يقولوا بذهاب بعضه وبقاء بعضه كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم: «يخرج من النار من كان في قلبه مثقال حبة من إيمان» ، ثم قال الخوارج والمعتزلة: الطاعات كلها من الإيمان فإذا ذهب بعضها ذهب بعض الإيمان، فذهب سائره، فحكموا أن صاحب الكبيرة ليس معه شيء من الإيمان.
وقالت المرجئة والجهمية: ليس الإيمان إلا شيئًا واحدًا لا يتبعض، إما مجرد تصديق القلب كقول الجهمية، أو تصديق القلب واللسان كقول المرجئة، قالوا: لأنَّا إذا أدخلنا فيه الأعمال صارت جزاءً منه؛ فإذا ذهبت ذهب بعضه فيلزم إخراج ذي الكبيرة من الإيمان، وهو قول المعتزلة والخوارج.. » ا. هـ. (7) ، وقال في موضع آخر: «وأما قول القائل: إن الإيمان إذا ذهب بعضه ذهب كله. فهذا ممنوع، وهذا هو الأصل الذي تفرعت عنه البدع في الإيمان.. » ا. هـ. (8) .
ومما يتفرع على هذا الأصل أن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وأن بعض شعبه إذا زالت بقيت الشعب الأخرى، لكنه ينقص ويضعف، وقد دلت النصوص الشرعية المتواترة من الكتاب والسنة على هذا الأمر كما قال - تعالى: {لِيَزْدَادُوا إيمَانًا مَّعَ إيمَانِهِمْ} [الفتح: 4] ، وقوله - تعالى: {وَإذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إيمَانًا} [الأنفال: 2] ، وأما النقصان كما جاء في قوله - صلى الله عليه وسلم: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فمن لم يستطع فبلسانه، فمن لم يستطع فبقلبه؛ وذلك أضعف الإيمان» . فالشاهد أن من الإيمان ما هو قوي، ومنه ما هو ضعيف؛ والأدلة لا يتسع المجال لذكرها وسردها، وإنما غرضنا التركيز على الأصول التي قد تخفى على بعض الناس.
الأصل الرابع: أن شعب الإيمان قد تتلازم في الظاهر والباطن عند القوة، وقد لا تتلازم عند الضعف: لا يتصور أن يقوم الإنسان بالأعمال الصالحة ويكون قلبه غير مشتمل على الإيمان بل هو من أعظم الأدلة على الإيمان الذي في قلبه، يقول شيخ الإسلام: «وكذا الإيمان في القلب، والإسلام علانية، ولما كانت الأقوال والأعمال الظاهرة لازمة ومستلزمة للأقوال والأعمال الباطنة، كان يستدل بها عليها» ا. هـ (1) .