وفي عصرنا الحديث اجتمعوا على مصطلح رئيس هو العلمانيّة ، وانطلقت منها العولمة ، بعد أن تخلّى النصارى عن دينهم الذي حرّفوه ونصّوا على ذلك في قوانينهم ودساتيرهم ، وبعد أن تخلى اليهود عن دينهم الذي حرّفوه تحت شعار الصهيونيّة ، ومع بقاء هؤلاء وهؤلاء يتاجرون بالدين كلما لزم الأمر ، ويطلقون الحركات التنصيرية والاستشراقية ، والجاسوسية ، ويغذونها بالمال والرجال . إنّ التقاء النصارى واليهود اليوم هو لقاء تحت مظلة"العلمانيّة"و"العولمة"، جاء لقاءً مفاجئاً ، بعد عداء تاريخيّ طويل جداً ، ابتدأ منذ أن بعث الله عيسى عليه السلام . فكان اليهود هم الذين كفروا بعيسى عليه السلام ، عادوا وضلّوا وانحرفوا والذين آمنوا كانوا مسلمين . والمسلمون الذين آمنوا بعيسى عليه السلام انحرفوا عن رسالة عيسى عليه السلام من خلال تاريخ امتدّ بهم إلى أوروبا ، امتداداً ساهم في انحرافهم وتفرّقهم شيعاً ، فكانوا هم النَّصارى من كاثوليك أو بروتستانت أو أرثوذوكس ، والفئة المسلمة أو الأقرب إلى الإسلام أبيدت .
هذا اللقاء العلماني جمع الأطراف كلها على مصالح مادّيّة مشتركة ، تحدد فيه أسس التعاون المنهجي وغنيمة كل طرف . من الأمور البدهيّة أن هؤلاء لا يمكن أن يتعاونوا إلا على توزيع للغنائم يرضي الجميع ، فلكل نصيبه المحدد . وبرز هذا اللقاء بشكل واضح مكشوف في قضية فلسطين ، حيث تعهدت أمريكا وأوروبا وروسيا على بناء دولة اليهود في فلسطين وحمايتهم ، تعهّداً أخذ صورته الدولية في جميع المؤسسات الدولية ، وأهمها هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن ، وما يتبعهما من لجان ومؤسسات ، وأبيح لها تجاوز قرارات هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن ، وطرحها وراء ظهرها دون مبالاة ،وأُبيح لها أن ترتكب أقسى الجرائم في فلسطين أمام أعين العالم كلّه ، وأبيح لها أن تملك أخطر أسلحة الدمار الشامل دون أي محاسبة ، والمسلمون لاهون قروناً عديدة .
إن بناء هذه الدولة اليهوديّة في فلسطين يمثل جزءاً رئيساً من النهج المتفق عليه بينهم ، لتحقيق الأهداف المقررة عندهم .
وعلى ضوء هذا التصور يجب أن يُبْنى الموقف والاتجاه ، وعلى ضوء الرسالة التي نحملها في الحياة .
11ـ تعايش أم قتال ؟!
على ضوء ما سبق يجب على المسلمين أن يُعِدّوا أنفسهم كما أمرهم الله أمّة مسلمة واحدة ، وصفّاً واحداً كالبنيان المرصوص ، وعُدّة كافية لترهب أعداء الله وآخرين لا نعلمهم يعلمهم الله . هذا ما أمر الله به .
لبناء حزب طريقة وأسلوب ، أما لبناء أمّة أو لجمع صفوفها لتُرَصَّ صفّاً واحداً ، فهذا له طريقة أخرى . الذي أمر به الله هو بناء الأمّة الواحدة ، والذي أمر به الشيطان هوالفرقة والتمزّق والعصبيات الجاهليةالمحرّمة، ولكل نتيجته في الدنيا وفي الآخرة .
فإذا قامت الأمة المسلمة الواحدة ، أو الصف المؤمن الواحد ، فإِنهم ينطلقون برسالة الله يبلّغونها إلى الناس كافة ، لتكون هذه قضيّتهم ورسالتهم التي يؤمنون بها ويلتزمونها ، ويدعون إليها ويبلّغونها ، ويتعهَّدون الناس عليها ، بالحكمة والموعظة الحسنة إلا الذين ظلموا منهم ، ومن أجل هذه القضيّة يسالمون أو يحاربون ، يتعايشون أو يقاتلون ، على نهج مدروس ، وخطة موضوعة ، نابعين من منهاج الله ، ملبّين حاجة الواقع .
الطريق واضح مشرق لا يتيه عنه طالبه أبداً ، ولا يحلُّ لنا أن نرمي عجزنا وضعفنا وهواننا على الإسلام ، وكلَّما تنازَلنا بحثنا عن فتوى من هنا وفتوى من هناك ، لنسوِّغ هبوطنا . إننا نخسر بذلك الكثير: نخسر رضاء الله ، ونشوّه رسالة الإسلام أمام الناس فلا يرغبون بها ، ونفقد مَهابَتنا في عيون الآخرين ، وتتوالى علينا الهزائم ، ونزيد ضعفاً على ضعف ، وذلة على ذلة ، وهواناً على هوان !
أَيها المسلمون ! الخطر محدق ! وباب النجاة والعزّة مفتوح ، والطريق ممتد مشرق ! فاستيقظوا وأفيقوا وانهضوا إلى الصراط المستقيم قبل فوات الفرصة !
12/4/1423هـ
23/6/2002م