فهرس الكتاب

الصفحة 23897 من 27345

الثالث: من معانى الوسط أنه العدل ، وقد ثبت في حديث صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في قول الله تعالى (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا) ، قَالَ"وَالْوَسَط الْعَدْل"، رَوَاهُ الْبُخَارِيّ وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَهْ عن أبي سعيد الخدري . وعلّق ابن حجر على تفسير العدل بالوسط أنه لا ينافي تفسير الوسط بمعانيه الأخري فقال:"لا يلزم من كون الوسط في الآية صالحا لمعنى التوسط أن لا يكون أريد به معناه الآخر كما نص عليه الحديث ، فلا مغايرة بين الحديث وبين ما دل عليه معنى الآية" [20] . ونقل هذا المعنى في تفسير الوسط عن عدد من الصحابة والتابعين منهم أبوهريرة وابن عباس وأبو سعيد ومجاهد وقتادة . قال الرازي: إنما سمي العدل وسطًا لأنه لا يميل إلى أحد الخصمين، والعدل هو المعتدل الذي لا يميل إلى أحد الطرفين [21] .

واستُدِل لهذا المعنى من الشعر بقول زُهَيْر:

وَقَالَ آخَر:

لَا تَذْهَبَن فِي الْأُمُور فَرَطًا

لَا تَسْأَلَن إِنْ سَأَلْت شَطَطَا

وَكُنْ مِنْ النَّاس جَمِيعًا وَسَطَا

وبمعنى العدل فسر الأوسط أيضا في قول الله تعالى: (قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ) [22] ، قال ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة، ومحمد بن كعب، والربيع بن أنس، والضّحاك، وقتادة: أي أعدلهم وخيرهم . وقال القرطبي: أي: أمثلهم وأعدلهم وأعقلهم [23] .

والخلاصة: أن الوسط جاء في الأصل لما انتصف بين طرفين ، ولأن أحسن الأشياء أوسطها كان الوسط بمعنى الأحمد والأجود والأفضل والخيِّر ، وما كان خيرا فهو عدل. وعلى هذا فإن معانى الوسط متقاربة وليست متنافية كما قال الرازي [24] .

ومع أن مصطلح الوسط كلمة جامعة تتسع لمفاهيم كثيرة من التوسط والتوازن والقصد والخير والاعتدال، إلا أنه من الأمور الإضافية . والمراد من الوسط الذي هو سمة أساسية من سمات الأمة المسلمة ، المفهوم الإسلامي له . إذ أن معنى الوسط يختلف باختلاف الدين والثقافة والحضارة . فما كان وسطا من وجهة نظر الثقافة الغربية مثلا فليس هو الوسط من وجهة نظر الإسلام ، إذ أن لكل ثقافة معاييرها ومنهجها في تحديد الوسط . وأحسب أن هذا ينطبق على كثير من المفاهيم الأخرى مثل العدل والمساواة والحرية وغيرها . فلا بد إذا لتحديد معنى الوسط بمفهومه الإسلامي تحديدا دقيقا من اعتبار ضوابط الإسلام وموازيينه . وقد أوضح الله تعالى الصلة بين الصراط المستقيم والوسط [25] حين قال: (يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إلى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) [26] ، ثم قال (وكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ويَكُونُ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدا ) . فقد فسر كثير من المفسرين أن المقصود بقوله تعالى (وكذلك ) يعنى أنعمنا عليكم بجعلكم أمة وسطًا، مثل ما سبق إنعامنا عليكم بالهداية إلى الصراط المستقيم . فتكون هداية الأمة المسلمة إلى الصراط المستقيم وخصها بأكمل الشرائع وأقوم المناهج وأوضح المذاهب ، هو الأساس الذي يقوم عليه اتصافها بالوسط علما وعملا . ومن أحسن المواضع التى تستبين منها الصلة بين الصراط المستقيم والوسط قول الله تعالى في سورة الفاتحة: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ) . فدل ذلك على أن الصراط المستقيم هو طريق المنعم عليه ممن علم الحق وعمل به ، وهو وسط بين طريق من علم الحق ولم يعمل به فكان مغضوبا عليه ، وطريق الضال الذي جهل الحق أصلا ولم يهتد إليه . [27] وفي هذا المعنى قال ابن كثير أن صراط الذين أنعمت عليهم"هم أهل الهداية والاستقامة والطاعة لله ورسله ، وامتثال أوامره وترك نواهيه وزواجره ، غير صراط المغضوب عليهم وهم الذين فسدت إرادتهم فعلموا الحق وعدلوا عنه ، ولا صراط الضالين وهم الذين فقدوا العلم فهم هائمون في الضلالة لا يهتدون إلى الحق ." [28] ومما ينبغى التنبيه عليه أن وصف الأمة المسلمة بسمة الوسط لا يعنى أن كل من انتسب للإسلام فهو وسط ، بل وصف الوسط لا يتحقق إلا لمن قام بحقوقه التى سنوضح مقوماتها فيما بعد ، وقد كان للصحابة والرعيل الأول من السلف المقام المعلى من ذلك ، ولا يخلو كل عصر من جماعة هذه صفتهم ، حسب ما جاء من آحاديث في الطائفة الظاهرة ، ومنها حديث الذى رواه مسلم عن ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك) [29] .

وظيفة الشهادة على الناس

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت