فهرس الكتاب

الصفحة 8283 من 27345

وقال الطبري رحمه الله:"ومن يشكر الله على نعمه عنده فإنما يشكر لنفسه لأن الله يجزل له على شكره إياه الثواب وينقذه به من الهلكة. (ومن كفر فإن الله غني حميد) يقول: ومن كفر نعمة الله عليه إلى نفسِه أساء؛ لأنَّ الله مُعاقِبُه على كُفرانِه إياه والله غنِيٌّ عن شُكرِه إياه على نِعَمِه لا حاجة به إليه؛ لأن شُكرَه إياه لا يزيد في سُلطانِه ولا ينقصُ كفرانُه إياه مِن مُلكِه". [13] وقال القرطبي رحمه الله:" (ومَن شَكَرَ فإنما يَشكُر لِنَفسِه) : أي لا يرجع نفعُ ذلك إلا إلى نفسِه؛ حيث استوجَبَ بِشُكرِه تَمامَ النعمةِ ودوامَها والمزيدَ منها. والشكرُ قَيدُ النعمةِ الموجودةِ، وبه تُنالُ النعمةُ المفقودةُ". [14]

وقال ابن كثير رحمه الله:"قال تعالى (ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه) أي إنما يعود نفع ذلك وثوابه على الشاكرين لقوله تعالى (ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون) ". [15] وقال الشوكاني:"بَيَّنَ سبحانه أنَّ الشُّكرَ لا ينتفعُ به إلا الشاكرُ، فقال: (ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه) ؛ لأن نفع ذلك راجع إليه وفائدته حاصلة له؛ إذ به تستبقى النعمة وبسببه يستجلب المزيد لها من الله سبحانه (ومن كفر فإن الله غني حميد) : أي من جعل كفر النعم مكان شكرها؛ فإن الله (غنِيٌّ) غير محتاج إليه (حميد) مستحق للحمد من خلقِه لإنعامه عليهم بنعمه التي لا يحاط بقدرها ولا يحصر عددها؛ وإن لم يحمده أحدٌ من خلقه؛ فإنَّ كلَّ مَوجودٍ ناطِقٌ بحمدِه بلسانِ الحال". [16]

ومَن قرأ كتابَ الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه الروحِ العارِفةِ بالله المعترفةِ بفضلِه ورحمتِه؛ كان أسعدَ الناسِ قلبًا وأقواهم يقينًا وأعظمهم ثناءً وحمدًا؛ ولله دَرُّ صاحبِ الظِّلالِ حينَ قال:"مِنْ رَحمةِ الله أنْ تُحِسَّ بِرَحمةِ الله؛ فرحمةُ اللهِ تَضُمُّك وتَغْمُرُك وتَفِيضُ عَلَيْك؛ ولَكِنْ شُعُورُك بِوُجودِها هو الرَّحمةُ، ورَجاؤك فيها وتَطَلُّعُك إليها هو الرَّحمةُ، وثِقَتُك بها وتَوَقُّعُها في كلِّ أمْرٍ هو الرَّحمة... ورَحمةُ اللهِ لا تَعِزُّ على طالبٍ في أيِّ مكانٍ وفي أيِّ حالٍ؛ وَجَدَها إبراهيمُ عليه السلام في النارِ، ووَجَدَها يوسف عليه السلام في الْجُبِّ كما وَجَدَها في السِّجن. ووَجَدَها يونسُ عليه السلام في بطنِ الْحُوتِ في ظُلُماتٍ ثلاث. وَوَجَدَها موسى عليه السلام في اليَمِّ وهو طِفْلٌ مُجَرَّدٌ مِنْ كلِّ قُوةٍ ومِن كلِّ حِراسةٍ، كما وَجَدَها في قَصرٍ فرعون وهو عَدُوٌّ له مُتَرَبِّصٌ به ويَبحثُ عنه. ووَجَدَها أصْحابُ الكهفِ في الكهفِ حين افْتَقَدُوها في القُصُورِ والدُّورِ، فقال بعضُهم لِبَعضٍ: (فَأْوُوا إلى الكَهفِ يَنْشُرْ لكم رَبُّكم مِن رَحْمَتِه) ، [17] ووَجَدَها رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وصاحبُه في الغارِ والقومُ يتبعونَهما ويَقُصُّون الآثار، ووَجَدَها كلُّ مَن آوَى إليها يائسًا مِن كلِّ مَنْ سِواها؛ مُنقطِعًا مِن كلِّ شُبْهَةٍ في قُوةٍ ومِن كلِّ مَظِنَّةٍ في رَحمةٍ؛ قاصِدًا بابَ اللهِ وَحْدَه دُونَ الأبواب". [18]

[1] إبراهيم 7.

[2] الجامع لأحكام القرآن 7/280.

[3] الجامع لأحكام القرآن 9/343.

[4] الجامع لأحكام القرآن 9/343.

[5] صحيح البخاري 2/532، وصحيح مسلم 2/717.

[6] مدارج السالكين لابن القيم 3/164.

[7] الشعراء 77-81.

[8] في ظلال القرآن 19/2603.

[9] الأنفال 26.

[10] مدارج السالكين 2/242. دار الفكر، ط 1412 هـ.

[11] النمل 40.

[12] لقمان 12.

[13] جامع البيان للطبري 21/68.

[14] الجامع لأحكام القرآن 13/216.

[15] تفسير القرآن العظيم 3/445.

[16] فتح القدير 4/237.

[17] الكهف 16.

[18] في ظلال القرآن 22/2923.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت