فهرس الكتاب

الصفحة 13261 من 27345

و) ويمكن تقريب مسألة تغيّر الفتوى لمن قد لا يستوعبها جيدًا ، بالمثال السادس في مسألة فقهية لا ترتبط بالولاية ، ولكن يكثر الحديث عنها ، و يتردّد فيها ذات السؤال ، فتجد من يقول:

لماذا منع الشيخ فلان الاستكتاب في الشركة الفلانية ، ثم أباحه بعد ذلك ؟

فتجيبه: فلان منعها من أجل الربا ، فلما تخلصت من الربا - في نظره - أجازها . فمدار الحكم على وجود الربا ، من عدمه ، ففتواه لم تتغير ، بل تغير وضع الشركة ! ولذلك لو عادت الشركة إلى ما كانت عليه لعاد لما أفتى به فيها من قبل .. وهكذا .. وليس عسيرا على الباحث عن الحق بسؤال صاحب الفتوى: لم منعت الاستكتاب في الشركة ثم أجزته ؟ ليجد الجواب المنضبط في الحالين كما أسلفت .

وإنَّك لتعجب ممن ينتسب للثقافة ! ثم يسود صفحته وصحيفته بالنيل من أهل العلم دون أن يكلف نفسه عناء الأمانة التي تحمّلها ليسأل صاحب الفتوى: لم أفتيت بالمنع ثم بالجواز أو العكس ؟ ويُلحظ في هذه الصور وأمثالها أنَّ العالِم لم يتغير في منهجه أو يتراجع عن فتواه ؛ وغاية ما في الأمر أنَّ مناط الحكم قد تغيّر لتغيّر الحال ، فوجدت حال جديدة لها حكم مختلف ، وإن كانت الصورة مشابهة في الظاهر ، لكن الفتوى لا زالت ثابتة في الحال الممنوعة ؛ وهنا ظنّ من لا علم عنده بفنّ الفتوى وأصول الاستدلال: أنَّ الحكم تغيّر ، ومن ثمّ تساءل - لجهله أو تجاهله -: كيف يحرم العلماء كذا وكذا ، ثم يحللونه بعد ذلك مع مرور الزمن ؟!

والخلاصة: أنَّ العلماء هم الذين ردَّ الله المسلم إليهم عند عدم العلم ، فهم ضمان الشرعية في الطرح والنصح والتعامل ، فعلى المسلم الصالح ، أن يرتبط بأهل العلم والديانة ، وعلى رأسهم في بلادنا أعضاء هيئة كبار العلماء ، واللجنة الدائمة للإفتاء ، وغيرهم ممن عرفتهم الأمة وشهدت لهم بالعلم والفضل والتوسط ، من العلماء الناصحين والدعاة المخلصين في جميع البلاد .

ولو رجعنا إلى أهل العلم وكانت صلتنا بهم صلة قوية ، لدفعنا الكثير من الخلط الذي قد يفتن بعض النّاس عن الحق ، ويزهدهم في العلماء الربانيين ، ولما احتجنا في معرفة الحقيقة إلى التاريخ ، ليثبت لنا صحة نهج من أحالنا الله إليهم ، فكم ضاعت من أوقات ، ونيل من شخصيات ، في غير حقٍّ ، وربما تبيّن زلل طالب العلم في نقده لفتاوى الأكابر ، ولكن بعد عسر الرفع ، مهما حاول تداركه .

ومن هنا أجد أنَّ من النصح لنفسي ، ولشبابنا الكرام ، ولزملائنا الأفاضل من طلبة العلم بخاصة ، ولغيرهم من أهل الكتابة عامّة: التمهلَ في تقييم فتاوى العلماء المصلحين ، وعدم الاعتراض المتعجِّل على جهود الناصحين ، دون دراسة جادة متعمِّقة ندرك بها الدوافع ، ونعرف تفاصيل بنائها في أرض الواقع ، مع الحرص على التقاء من يُستَغرب قوله من أهل العلم والديانة أو الاتصال به ، ومناقشة صاحب الرأي على سنن أهل الأناة والحكمة ، حتى لا ننال من مجتهد قد بذل وسعه فنال - برحمة الله - أجرًا إن أخطأ وأجرين إن أصاب ، أو نؤذي مؤمنًا حكم الله على من آذاه بأنَّه قد احتمل بهتانًا وإثمًا مبينا ، في قوله سبحانه: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا } .

هذا ما جال في الخاطر حول هذا المعنى في ظلّ نقدٍ عاطفي يصل إلى درجة التسفيه الممقوت ، ورأيت في تدوينه ونشره خيرًا لمن أراد لنفسه النجاة ، وحفظها من شرِّ حظوظها ، والله تعالى أعلم ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله"."

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت