فهرس الكتاب

الصفحة 13260 من 27345

ب) وأمَّا دمج تعليم البنات مع تعليم البنين فشغّب به بعض الكتّاب ؛ والحق أنَّه لم يستنكره من استنكره من العلماء والدعاة المخلصين الغيورين لمجرد كونه دمجًا إداريًا ، ومن الظلم أنَّ نظنَّ بأنَّهم بهذا المستوى من النظر ، ولا سيما أنَّ كثيرًا ممن نعرف حالهم من أولئك ليسوا أهل طيش ، ولا دعاة خروج على أولي الأمر ولله الحمد . بل أجزم أنَّ من أعرفه منهم لا ينفك في الأمور العامة عن رأي العلماء الكبار ... ثم إنَّ من أعضاء هيئة كبار العلماء من أفصح عن تخوفه من قرار الدَّمج ، وعلَّل ذلك بعدد من الأسباب والظروف المحيطة ، والزخم الإعلامي المريب الذي سبق الحدث وصاحبه ، وما تضمنه من مطالبات تغريبية تزيد الموضوع توترًا ، وغير ذلك من الأمور التي لا تخفى على من عاش الحدث وتابعه .

فالموقف المعروف حينها يمكن إيجازه في التخوف من الحال التي يخشى النَّاسُ أن يؤول إليها الأمر ، من مثل الاختلاط في المدارس بين البنين والبنات ، والمعلمين والمعلمات ، ولو تدرجا بالبدء من دمج الجنسين في الصفوف الدنيا .

وقد كان هذا التخوف ظاهرًا وجليًا ، وواضحًا لدى ولاة الأمر ، فبادر ولي العهد حينها بالتعهد للأمة أنّ ما يخشونه من قرار الدمج لن يقع بإذن الله ؛ وعبّر عن ذلك بتعبيرات أوجدت ارتياحا عاما لدى النَّاس ، وهذا ما آل إليه الأمر بحمد الله تعالى وظهر جليًا في المدّة الأخيرة بعد أن اتخذت القرارات الضابطة لذلك ، نسأل الله عز وجل أن يديم علينا نعمته ، ويوفق ولاة الأمر لما فيه خير العباد والبلاد .

ج) وأمَّا ما يقال حول الفتوى بمشروعية فتح البنوك الإسلامية ، فيقال: يجب أن يُعلم أنَّ العلماء لم يُحرِّموا التعامل مع بعض البنوك لكونها بنوكًا ، وإنَّما لقيامها في الجملة على النسق الغربي الربوي ، فلمَّا وُجِد البديل الإسلامي ، وأمكن فتح بنوك ومصارف وبيوت تمويل تتحرّى التعامل الشرعي ، كان الدعم لها من أهل العلم ولاسيما ممن بذلوا جهدًا عظيمًا وسنين عديدة في إيجاد البديل الإسلامي ، حتى وصل الحال إلى ما نحن فيه من تقدّم في المصارف والبنوك ذات المعاملات الإسلامية ، وهي بحاجة إلى مزيد من الفطنة والورع ومراقبة تنفيذ قرارات اللجان الشرعية كما هي .

د) وهكذا الشأن في منع أطباق البث الفضائي ، فلم يمنعها من منعها من العلماء لمجرد كونها أطباقًا توضع على أسطح المنازل أو يُستجلب بها المفيد ! وإنَّما منعها من منعها من أهل العلم الكبار في حينه ، لانحصار استعمالها في الشرّ في وقتٍ ، وغلبته فيما بعد ؛ ثم لمَّا ظهرت القنوات النافعة ، لم نجد الفتوى التي تأذن فحسب ، بل وجدنا الفتوى التي تحض على الاشتراك في القنوات الصادرة عن لجان شرعية ، كقناة المجد مثلًا ، التي يكرر شكرها والحثّ على مشاهداتها قمة الهرم الشرعي الرسمي سماحة المفتي العام حفظه الله ، وهذا كلّه من حرص أهل العلم على فتح الذرائع المشروعة ، وتشجيع البَدَل المشروع ، ونشر الخير نشرًا آمنًا من الخلط والمزج بالشرّ ما أمكن ذلك .

هـ) ومن الفتاوى التي فهمت في غير إطارها فتوى شيخنا العلامة / عبد العزيز بن عبد الله بن باز - رحمه الله - في الصلح مع اليهود ، فقد نال منه بها قومٌ ، ظنًّا منهم أنَّ الشيخ قد أخطأ ، مع أنَّ فتواه رحمه الله جاءت على الأصول الفقهية المعتبرة في مشروعية الصلح بمعنى ( الهدنة ) ؛ وشغّب بها آخرون بإيعاز صهيوني ليسوِّغوا مالم يقصده الشيخ رحمه الله فأوهموا بعض النّاس أنَّ الشيخ يرى مشروعية وجود الكيان الصهيوني والاستسلام لشروطه ، وهو مالم يَدر بخلد الشيخ رحمه الله ، بل إنَّ فتاواه الصريحة بعكس ذلك في غاية القوّة والوضوح .

والشيخ رحمه الله قد بيّن حرمة الصلح الدائم مع اليهود ، وأكَّده في الفتوى ذاتها ، وفي بيانه لمراده - رحمه الله - في فتاوى لاحقة ، ولعلّ من أسباب سوء فهم بعض طلبة العلم ، عدم إدراكهم للفرق بين مصطلح الصلح في الشريعة الإسلامية ، وفي القانون الدولي ، وبيانه:

أنَّ المراد بـ ( الصلح ) بالمعنى القانوني الدولي ، هو: عقد اتفاق دائم بين الأطراف المتصالحة . بخلاف معنى الصلح في المصطلح الشرعي الذي يعد رديفا للهدنة في المصطلح الشرعي الفقهي الإسلامي وفي القانون الدولي . وقد بينت ذلك بتفصيل في الجواب على سؤال عن حكم التطبيع مع الكيان الصهيوني نشر في موقع المسلم في العام الماضي .

وهذا الفرق يدركه العلماء ورجال السياسة ، ولذلك نجد اللجان الشرعية في حركة حماس الإسلامية ، تبني موقفها الحالي من الامتناع عن الصلح على موقف الكيان الصهيوني من عدم الاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني الذي هو جزء من الأمة المسلمة ، وهو ما يفسِّر عدم جنوح قيادات الكيان الصهيوني للسلم ؛ بينما لو فعل ذلك ، فلن تجد حركة حماس ما يمنعها شرعا من الصلح ( الهدنة ) مع هذا الكيان .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت