فهرس الكتاب

الصفحة 3748 من 27345

لقد اتجه الأمريكيون في تطورهم واحتلالهم من المكان إلى الثقافة ، حيث لم تعد الحرب التي يشنونها تتعلق باحتلال مكان معين للاستقرار فيه ، بقدر ما تتعلق بالهيمنة على الثقافة التي ترتبط بذلك المكان ، وطوال بحثهم الدؤوب ، لم يجدوا مكانا حضاريا كالعراق ، فلقد قاموا باحتلال فيتنام ، ثم الصومال ، ولكن بما أنهما ليسا مكانين حضاريين ، فقد خرج الأمريكيون منهما بسرعة ، بعكس العراق الذي اختلقوا كل الأسباب ليحتلوه ، فهو بالاظافة إلى كونه مكانا حيويا في منطقة حيوية ، هو أيضا مكان حضاري قامت فيه حضارة عظيمة ، غير أن أمريكا لا تحتله لتستقر فيه أو لتحس فيه بالانتماء ، ولكنها تحتله لتبرز تخلفه وعدم حضارته ، مما سيعود بفائدة مهمة للأمريكيين أنفسهم ، أهمها الارتباط أكثر بمكانهم ، والتوحد به ، والإحساس بأنهم شعب متحضر وأفضل من الآخرين .

عامل آخر:

وعدا عن هذا ، هناك العوائد المادية التي لا يستطيع الأمريكيون الاستغناء عنها في منطقة كالعراق ، ومع كل محاولاتهم لفرض أنفسهم كحضارة وثقافة على النمط الحديث ، تكشفهم استغلاليتهم وأنانيتهم العميقة .

قد يبدوا هذا متعارضا مع بحثهم عن الدفء والمكان الحضاري ، ولكن العكس هو الصحيح ، إذ أن ارتباط المكان الحضاري تاريخيا بما يحويه من عوائد مادية له أهميته القصوى في الإحساس بالانتماء ، وبدونه لا تنشأ الحضارة أبدا، ومع أن أمريكا غنية جدا بمواردها ، إلا أنها لم تستطع أن تقدم للأمريكيين الدفء الذي ينشدونه ، ذلك أن المكان خال من أي حضارة أخرى سابقة ، والجشع الدائم الذي كان أيضا وراء بروزهم كقوة عظمى ، كان سببا مهما في فشلهم في فرض ثقافتهم كثقافة حضارية ، فهم عندما يحتلون الآخر بحثا عن خلق الدفء بينهم ، سرعان ما يفضحهم جشعهم المادي ، لأنهم يحسون بأن ماديتهم هذه تتغلب على هدفهم الأصلي الذي يبحثون عنه ، أي خلق وحدة حضارية بينهم ، وهذا يساهم أكثر في تأجيج شعورهم بعدم الانتماء ، مما يبرز حقيقتهم لأنفسهم قبل غيرهم ، فيقعون في أسر هذه الازدواجية ، ولا يستطيعون التغلب عليها ، ولا تحديد ما يبحثون عنه بالضبط ، ولنذكر انهم عندما هاجروا إلى العالم الجديد ، كانت الرغبات المادية هي التي تدفعهم نحو البحر ، و هي لا تزال تدفع بهم في رحلة العودة !

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت